تاريخ ومزارات

المسجد الأزرق تحفة إسطنبول التي جمعت العظمة الروحية وروعة العمارة

يقع مسجد السلطان أحمد في قلب ميدان السلطان أحمد بالقرب من متحف آيا صوفيا، ويعد من أبرز معالم العمارة الإسلامية وأضخم المساجد في العالم الإسلامي، شيد المسجد في فترة تاريخية مهمة، إذ استمر بناؤه بين عامي 1018 و1026 هجرية، الموافقين للأعوام من 1609 إلى 1616 ميلادية، ليصبح منذ ذلك الحين رمزا دينيا وحضاريا لإسطنبول وتركيا.

تاريخ المسجد الأزرق

يتألف المسجد من خمسة أبواب رئيسية، ثلاثة منها تفتح على صحن المسجد الواسع، بينما يقود البابان الآخران إلى قاعة الصلاة، تتوج المسجد قبة رئيسية شامخة بارتفاع يصل إلى 43 مترا وقطر يبلغ 23.5 مترا، وتحيط بها ثماني قباب أصغر حجما في تناغم معماري يعكس عبقرية التخطيط العثماني.

ويزدان الداخل المعماري للمسجد بـ260 نافذة من الزجاج الملون، أرسلت من مدينة البندقية كهدية إلى السلطان أحمد، فتمنح المكان إضاءة طبيعية ساحرة، كما تتدلى من سقفه ثريات فاخرة مطلية بماء الذهب ومرصعة بالأحجار الكريمة وكرات الكريستال، لتضفي على أجوائه رهبة وجمالا في آن واحد.

أطلق الأوروبيون على المسجد اسم الجامع الأزرق، نسبة إلى اللون الأزرق الذي يهيمن على الخزف والزجاج والزخارف الداخلية، إضافة إلى انعكاس الإضاءة التي تمنح المكان طابعا روحيا مميزا، ويعد المسجد من أجمل المساجد ليس في تركيا وحدها، بل في العالم الإسلامي كله، ويحظى بإعجاب واسع لدى الأتراك، كما يشكل مقصدا أساسيا للسياح العرب والأجانب.

يقع المسجد في ميدان يحمل اسم السلطان أحمد في البلدة القديمة من إسطنبول، جنوب متحف آيا صوفيا وشرق ميدان الخيل البيزنطي، ورغم كونه من أشهر معالم الجذب السياحي في المدينة وتركيا عموما، فإنه يظل مسجدا حيا نابضا، تمتلئ أروقته بالمصلين في الصلوات الخمس وصلاة الجمعة، ويزداد حضوره الروحي في شهر رمضان المبارك، حيث يقصده الأتراك والمسلمون من مختلف الجنسيات للاستمتاع بأجوائه الإيمانية.

جاء بناء المسجد بعد أن تولى السلطان أحمد الأول الحكم عام 1603، عقب وفاة السلطان محمد الثالث بن مراد الثالث، وكلف السلطان المهندس محمد فاتح آغا، تلميذ المعماري العثماني الشهير سنان باشا، ببناء مسجد ومجمع إسلامي في العاصمة، اقتداء بسلاطين الدولة العثمانية الذين سبقوه.

أراد السلطان أحمد أن يكون مسجده الأضخم والأعظم في السلطنة العثمانية، فاختار له موقعا مميزا يطل على مضيق البوسفور ويقابل آيا صوفيا، التي تحولت لاحقا إلى مسجد ثم إلى متحف، أتم السلطان بناء المسجد قبل وفاته بعام واحد فقط، ودفن جثمانه في ضريحه داخل المسجد.

لم يقتصر مسجد السلطان أحمد على كونه مكانا للصلاة فحسب، بل ضم مجمعا متكاملا شمل مدرسة للتعليم الابتدائي، ومستشفى، وسوقا مغطى، وحماما تركيا، ومكانا لإطعام الفقراء، وسبيل ماء، إضافة إلى محلات تجارية وفرت موارد مالية للمسجد، أحاطت بهذه المنشآت حديقة واسعة خضراء تزينها الورود المتنوعة.

يتميز المسجد بامتلاكه ست مآذن، ليكون ثاني مسجد في تركيا يحمل هذا العدد بعد جامع صابانجي في أضنة، تحتل أربع مآذن زوايا المسجد، بينما تقع المئذنتان الأخريان في نهاية الفناء، ولكل مئذنة ثلاث شرفات، ويصعد المؤذن عبر درج حلزوني للإعلان عن أوقات الصلاة.

يتكون صحن المسجد من فناء واسع تعلوه ثلاثون قبة، ويتوسطه حوض وضوء سداسي الشكل محمول على ستة أعمدة مزخرفة بنقوش القرنفل والتوليب والزخارف الإسلامية في تناغم لافت، أما قاعة الصلاة فهي مستطيلة بطول 72 مترا وعرض 64 مترا، وتتسع لنحو عشرة آلاف مصل، وتتوسطها القبة الرئيسية التي ترتكز على أربع دعائم أسطوانية ضخمة، يحيط بها ثماني قباب ثانوية.

ويعود سبب شهرة المسجد باسم المسجد الأزرق إلى تزيين جدرانه الداخلية بأكثر من عشرين ألف قطعة سيراميك منقوشة يدويا باللون الأزرق، جلبت جميعها من مدينة إيزنيك، وتنوعت تصاميمها التي تجاوزت خمسين نموذجا من الزهور والفاكهة وأشجار السرو.

وتضم الزخارف الداخلية آيات من القرآن الكريم كتبت بخط بديع، تولى كتابتها الخطاط قاسم جوبري الذي كان من أبرز خطاطي عصره، تغطي أرضية المسجد سجادات فاخرة يتبرع بها باستمرار، بينما يتصدر المحراب المصنوع من الرخام المنحوت بعناية عناصر المسجد الجمالية، ليكتمل مشهد معماري وروحي يجعل من مسجد السلطان أحمد أيقونة خالدة في تاريخ العمارة الإسلامية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى