تاريخ ومزارات

 كيف قاد خالد بن الوليد أول مواجهة كبرى ضد الروم ومهّد الطريق لملحمة اليرموك

في صيف عام 634م وتحت شمس الشام الحارقة، انطلقت شرارة واحدة من أعظم المعارك في التاريخ الإسلامي، معركة أجنادين التي وقعت في 27 جمادى الأولى 13هـ، لتكون أول مواجهة كبرى بين جيوش الخلافة الراشدة والروم البيزنطيين، وتمهد لاحقًا لانتصار اليرموك العظيم.

التمهيد للمعركة

بأوامر الخليفة أبي بكر الصديق تحركت أربعة جيوش إسلامية نحو الشام، كل جيش يقوده بطل من أبطال الإسلام،كما أن أبو عبيدة بن الجراح إلى حمص بسبعة آلاف مقاتل، يزيد بن أبي سفيان إلى دمشق بتسعة آلاف، شرحبيل بن حسنة إلى بصرى بسبعة آلاف، وعمرو بن العاص إلى فلسطين بسبعة آلاف آخرين ثلاثون ألف مقاتل اجتمعوا تحت راية الإيمان، على أن تكون القيادة لأبي عبيدة حال الالتقاء.

نجحت هذه الجيوش في اقتحام جنوب الشام، فأدرك هرقل خطورة الموقف وحشد جيشًا ضخمًا لصد الزحف الإسلامي، كما أن طلب المسلمون المدد فجاء عكرمة بن أبي جهل، ثم جاء القرار الحاسم من أبي بكر: استدعاء خالد بن الوليد من العراق لقيادة الجيوش، قال أبو بكر بثقة: والله لأُنسيَنّ الروم وساوس الشيطان بخالد بن الوليد.

فتح بصرى.. البداية

وصل خالد، وأعاد ترتيب الصفوف، ثم حاصر مدينة بصرى حتى استسلمت ودفعت الجزية، بعدها جمع هرقل جيشًا هائلًا جنوب فلسطين مدعومًا بنصارى العرب والشام، متجهًا إلى أجنادين، وهي نقطة استراتيجية تربط القدس بدمشق وغزة والرملة، وبذكاء عسكري مباغت، قرر خالد أن يسبق الروم ويخوض المعركة هناك.

صفوف الإيمان والعدد

بلغ عدد جيش المسلمين 32 ألفًا، فوضع خالد معاذ بن جبل على الميمنة، وسعيد بن عامر على الميسرة، وأبا عبيدة في القلب، وسعيد بن زيد على الخيالة، وقف خالد بين الصفوف يحثهم على الصبر قائلا: إذا حملت على القوم فاحملوا، في المقابل اصطف 90 ألفًا من الروم بقيادة وردان، في تشكيل ضخم يمتد بالرجال والفرسان.

جاسوس يكشف سر المسلمين

أرسل الروم جاسوسًا عربيًا يُدعى ابن هزارز ليستطلع حال المسلمين، عاد مذهولًا وقال لقائده تذارق: رهبان بالليل، فرسان بالنهار، لو سرق ابن ملكهم قطعوا يده، ولو زنى رجم، لإقامة الحق، عندها رد تذارق: لبطن الأرض خير من لقاء هؤلاء.

يوم الحسم

مع صباح المعركة، صمد المسلمون في وجه هجمات الميمنة والميسرة الرومية، بانتظار إشارة خالد، وعندما تقدم الروم وفتحوا ثغرة في قلب جيشهم، اندفع خالد بالمسلمين في هجوم كاسح اخترق الصفوف، حاول وردان خداع خالد بالتفاوض، لكن خالد أعد كمينًا بقيادة ضرار بن الأزور الذي قتل وردان بنفسه بعد أن تسلل إلى قلب المعسكر.

النصر الساحق

بمقتل وردان انهارت معنويات الروم وفروا عبر طرق أجنادين،طاردهم المسلمون فقتلوا الآلاف، وقدرت خسائر الروم بثلاثة آلاف قتيل، فيما استشهد من المسلمين ما بين 14 إلى 24 فقط، وتألق ضرار بن الأزور الملقب بالشيطان عاري الصدر بعد أن خلع درعه وقتل ثلاثين فارسًا في المعركة.

ما بعد المعركة

شكلت أجنادين نقطة تحول كبيرة، إذ أثبتت كفاءة خالد بن الوليد الاستراتيجية وأكدت قوة الإيمان التي امتلكها الجيش الإسلامي، كما أن  هذا النصر مهّد الطريق لملحمة اليرموك التي غيّرت وجه الشام وفتحت آفاقًا جديدة للدولة الإسلامية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى