سر سمرقند العجيب.. كيف استعاد اهلها الحق وعاد الفتح عادلا في زمن عمر بن عبد العزيز
شهدت سمرقند قصة فريدة في تاريخ الاسلام عندما تولى عمر بن عبد العزيز الخلافة في سنة تسع وتسعين هجرية، وهو الذي عرف لاحقا بخامس الخلفاء الراشدين بسبب عدله وزهده قبل ذلك بنحو عشر سنوات كان قتيبة بن مسلم قد دخل سمرقند في ما وراء النهر بطريقة خالفت اصول الفتح، حيث دخل المسلمون المدينة بالمكيدة دون دعوة اهلها الى الاسلام ودون اعلان حرب ودون صلح، فقد تسلل بعض الجنود متنكرين وفتحوا الابواب من الداخل فاقتحمت الجيوش المدينة فجأة.
سر سمرقند العجيب
عندما وصل خبر تولي عمر بن عبد العزيز الى سمرقند البعيدة ابتهج الكهنة والاشراف لان سيرة عدله سبقت اسمه، وقرروا خطوة لم يفكر بها احد قبلهم وهي رفع شكوى مباشرة الى الخليفة، وكتبوا رسالة طويلة يوضحون فيها كيف دخل المسلمون مدينتهم بغير الطريق الشرعي ورافقوا الرسالة بهدايا ثمينة، ثم انطلق وفد من كهنتهم في رحلة شاقة امتدت اشهرا حتى وصلوا دمشق.
دخل الوفد على عمر بن عبد العزيز فوجدوه جالسا فوق حصير بسيط دون مظاهر ملك او زينة، وقدموا شكواهم قائلين ان قتيبة فتح مدينتهم بالخديعة دون دعوة ولا حرب معلنة ويطلبون حكما عادلا، وساد الصمت ثم امر عمر باستقبال الشكوى واحالتها الى القضاء الشرعي، ووجه امرا الى والي خراسان سليمان بن ابي السري باقامة محكمة شرعية في سمرقند نفسها، فاختير القاضي جميع بن حاضر الباهلي للنظر في القضية.
اقيمت محكمة لا مثيل لها في التاريخ تحت قبة المعبد القديم في وسط المدينة، حيث وقف الكهنة بملابسهم البيضاء المطرزة على يمين القاضي، بينما وقف قادة الجيش المسلم على يساره، سأل القاضي القائد العربي عن كيفية دخولهم المدينة فاجاب بصراحة انهم دخلوها بالخديعة دون دعوة ولا اعلان حرب، فالتفت القاضي الى الكهنة مؤكدا صدقهم ثم اصدر حكما هائلا يقضي باعادة الاوضاع الى ما كانت عليه قبل الفتح، امر بخروج العرب جميعا من سمرقند بما فيهم الحكام والجنود والنساء والاطفال، وان يعودوا الى معسكرهم خارج الاسوار، ثم تدعى المدينة الى الاسلام ثلاثة ايام فان رفضت يقاتل اهلها قتالا شرعيا علانية او يعقد معهم صلح جديد.
نزل الحكم موضع التنفيذ مباشرة وخرج الجيش المسلم مع عائلاته ودوابه من المدينة التي مكث فيها عشر سنوات، وعاد الى الخيام خارج الاسوار كأن الزمن عاد الى الوراء، وقف كهنة سمرقند على الاسوار يراقبون المشهد بدهشة كبيرة وقال احدهم لرفيقه ان هذا الدين عجيب يأمر جيشه المنتصر بالانسحاب بسبب كلمة حق نطق بها كهنة وثنيون.
شاهد اهل سمرقند عدلا لم يجدوه عند الفرس ولا الصين ولا الترك، فأرسلوا الى القائد المسلم يستدعونه للعودة معلنين ايمانهم بالله ورسوله وشهادتهم بوحدانية الله ونبوة محمد، وهكذا عاد المسلمون الى سمرقند هذه المرة كفاتحين بحق بقلوب اهلها لا بقوة السيوف.
وعندما وصل الخبر الى عمر بن عبد العزيز بكى ودعا الله ان يبرئه من سلطان لا يقوم بالحق حتى لو كان ذلك سببا في زوال دولته، فقد خسر المسلمون سمرقند بالسيف مرة، وربحوها بالعدل الى الابد، كما ورد في المصادر التاريخية مثل فتوح البلدان للبلاذري والسيرة النبوية والتاريخ الاسلامي لعبد الشافي محمد عبد اللطيف وكتاب عمر بن عبد العزيز للدكتور علي الصلابي.



