عائلة السكارنة في بني سويف: ذاكرة عربية حية في قلب الصعيد
أسماء صبحي – في جنوب محافظة بني سويف، وتحديدًا بقرية غياضة الغربية التابعة لمركز ببا. تبرز عائلة السكارنة كواحدة من أبرز العائلات العربية التي حافظت على امتدادها التاريخي والقبلي داخل المجتمع المصري. وتمتاز هذه العائلة ليس فقط بعمق نسبها الممتد إلى قبائل عدنانية عريقة، بل بدورها الاجتماعي والثقافي في صعيد مصر. حيث استطاعت أن تحفظ إرثها وتقاليدها عبر قرون من التغيرات السياسية والاجتماعية.
وهذه العائلة ليست مجرد سطور في سجل الأنساب، بل هي شهادة حية على تفاعل القبائل العربية مع المجتمع المصري. حيث ذابت فيه دون أن تفقد هويتها أو تنكر جذورها.
أصول عائلة السكارنة
تعود أصول العائلة إلى قبيلة “العيايدة”، وهي من القبائل العدنانية التي جاءت إلى مصر في عصور الفتح الإسلامي وما بعده. واستقرت في مناطق متعددة من وادي النيل، من أبرزها: الشرقية، الفيوم، الجيزة، شمال سيناء، وبني سويف.
وتحديدًا، تنحدر السكارنة من فرع العمارطة أحد فروع العيايدة المعروفين. وقد استقرت هذه العائلة في قرية غياضة الغربية منذ أكثر من قرن ونصف، وارتبطت بالزراعة وتجارة المواشي. إضافة إلى العمل في الوظائف الحكومية والتعليمية.
وحسب وثائق النسب المتوفرة على مدونة عائلة السكارنة، فإن الجد الجامع للعائلة هو “سِكران بن عامر”. وقد تفرعت منه عائلات عديدة لا تزال تحمل الاسم نفسه أو أسماء متقاربة في بني سويف والفيوم وحتى في بعض قرى المنيا.
الموقع الجغرافي ودور العائلة
تعد قرية “غياضة الغربية” التي تتبع مركز ببا في محافظة بني سويف، واحدة من القرى التي تجمع بين الحداثة والجذور الريفية وتعرف بتماسك نسيجها الاجتماعي. ويُشكل أبناء عائلة السكارنة نسبة كبيرة من سكان القرية. مما جعل لهم دورًا قياديًا في الشؤون الاجتماعية خصوصًا في لجان الصلح وحل النزاعات العرفية.
كما ساهم أبناء العائلة في تطوير الحياة القروية من خلال التعليم. حيث تخرج عدد كبير منهم في الجامعات المصرية، وبرزوا في مهن متعددة كالقضاء والتعليم والهندسة. ومن أبرز الأسماء التي خرجت من العائلة الدكتور عبد التواب سكران أستاذ القانون الجنائي، والشيخ سيد سكران أحد رموز الخطابة والدعوة في المنطقة.
التقاليد والعادات
تتمسك العائلة بمجموعة من القيم والممارسات التي تعكس أصالة انتمائها القبلي، وأبرزها:
- الكرم والضيافة: وهي من السمات التي تميز بيوت العائلة. حيث تظل موائدهم مفتوحة في المناسبات الدينية والأفراح والوفيات. وهو ما يعزز من التماسك الاجتماعي داخل القرية.
- الصلح العرفي: ساهم رجال العائلة في تكوين ما يعرف بـ”لجان الجود”. التي تتدخل في حل النزاعات القبلية والأسرية بعيدًا عن أروقة المحاكم.
- المناسبات الاجتماعية الجامعة: مثل تنظيم الاحتفالات بذكرى المولد النبوي، وأسبوع القرآن في رمضان. والاحتفال بقدوم الحجاج، وهي فعاليات تشارك فيها القرية كلها تقريبًا.
- الاحتفاظ بوثائق النسب: وهو أمر نادر، حيث لا تزال الأسرة تحتفظ بشهادات نسب موثقة توضح صلتها بقبائل العيايدة العدنانية. وقد قامت بطباعة هذه الوثائق ونشرها عبر مدونتها الرسمية.
وقال الدكتور مصطفى سليمان أبو الطيب، الأمين العام للمجلس الأعلى للقبائل العربية في مصر، إن عائلة السكارنة في بني سويف تمثل نموذجًا نادرًا للعائلات العربية التي استطاعت الحفاظ على نقاء نسبها. وبنفس الوقت الاندماج في نسيج الدولة الحديثة دون تفريط في الأصل. كما إن تجربتهم في المزج بين العرف والشرع، وبين التراث والتحديث، تستحق التقدير والدراسة الأكاديمية.
العلاقة مع العائلات الأخرى
تتميز عائلة السكارنة بعلاقات طيبة مع باقي عائلات مركز ببا. مثل عائلات: الشهاوي، الجوهري، عبد اللاه، الجمل، وغيرهم. وتربطها معهم علاقات مصاهرة وتعاون في شؤون القرية حيث تشكل تلك العلاقات قاعدة للاستقرار المجتمعي.
ويؤكد كبار السن من العائلة أن هذه الروابط ليست حديثة، بل تعود لعقود طويلة. وكان لها دور في تفادي الفتن القبلية والنزاعات خاصةً في فترات التحول السياسي والاقتصادي التي مرت بها مصر خلال القرن العشرين.
التحديات الحديثة
مثلها مثل باقي العائلات العربية في صعيد مصر، تواجه عائلة السكارنة تحديات عدة، أبرزها:
- ضعف الارتباط بالتراث لدى الجيل الجديد: حيث بدأت بعض القيم القبلية تتلاشى تحت ضغط العصرنة والتعليم المدني.
- الهجرة للعمل خارج مصر: ما أدى إلى تراجع التواجد الدائم لأفراد العائلة في القرية. خصوصًا بعد توجه الكثيرين إلى دول الخليج أو القاهرة الكبرى.
- صراع بين الحداثة والتقليد: فبينما يحاول بعض أبناء العائلة الحفاظ على أنظمة العرف. يفضل آخرون اللجوء إلى القانون المدني ما يشكل تباينًا في التعامل مع القضايا المجتمعية.
ورغم ذلك، ما زالت العائلة تمتلك نسيجًا اجتماعيًا متماسكًا يحافظ على وجودها ودورها في بني سويف.



