تاريخ ومزارات

هنري دونان.. سيرة رجل صنع ملامح الإنسانية

هنري دونان، يعد هذا الرجل السويسري واحدا من أبرز الوجوه التي صنعت أثرا واضحا في تاريخ العمل الإنساني، فقد جمع بين روح ريادة الأعمال والنشاط الاجتماعي، وأسهم بتأسيس الصليب الأحمر الدولي، محققا إنجازا عالميا جعله أول الحاصلين على جائزة نوبل للسلام عام 1901، ولد عام 1828 ورحل عام 1910، ومر في حياته بمحطات صعود وهبوط صنعت شخصيته، حيث عاش بين الثراء والفقر، وبين الاحتفاء والتجاهل، لكنه ظل متمسكا برسالته الإنسانية.

نشأ في أسرة ميسورة كرست وقتها وجهدها في رعاية الفقراء، الأمر الذي أثر بقوة في شخصيته، حتى جاءت أحداث معركة سولفرينو في إيطاليا، تلك المعركة التي تعد من أقسى معارك القرن التاسع عشر، فشكلت نقطة تحول عميقة في حياته، من هناك شق طريقه نحو الشهرة والمجد، لكنه واجه الإفلاس لاحقا، ليعيش خمسة عشر عاما في العزلة والفقر، ثم خمسة عشر عاما أخرى في الأضواء، دون أن ينسى تفاصيل الخسارات التي لحقت به، فظل يعيش في غرفة متواضعة حتى وفاته.

من هو هنري دونان

جاء جان هنري دونان إلى الحياة في الثامن من مايو عام 1828 بمدينة جنيف، لأسرة بورجوازية مسيحية كبيرة، وكان أكبر إخوة خمسة، وتعود جذور عائلته إلى إقليم أنيير الفرنسي، واستقرت أسرته في جنيف منذ القرن السابع عشر.

اتجه إلى العمل الخيري منذ صغره، متأثرا بما كان يراه في منزله من نشاط إنساني واضح، فقد كان والده رجل أعمال وناشطا اجتماعيا، وعضوا في غرفة الوصاية والقوامة التي تهتم بالشباب والسجناء، بينما كانت والدته أنطوانيت ابنة مدير مستشفى جنيف، وناشطة في خدمة المحتاجين، وكان لها تأثير كبير في تشكيل شخصيته.

في سن السادسة زار سجن تولون مع أسرته، فتركت تلك الزيارة أثرا عميقا فيه، ووعد نفسه بأن يكتب عنها حين يكبر، وكان يقضي طفولته بين الكتب والفواكه التي كان يحصل عليها من مزرعة جده.

عرف عن دونان حماسه الشديد وقدرته على تشجيع الآخرين على الانخراط في العمل الإنساني، وقال عنه أحد أصدقائه إن الطاقة الهائلة التي يملكها كانت قادرة على تحويله إلى شخصية استثنائية لو امتلك المزيد من الحكمة، بينما كان غياب المنهجية في بعض الأحيان سببا في تعرضه للخسارة.

التعليم وبداية الوعي

التحق بمدرسة جنيف الإعدادية، وتميز في الدراسات الدينية إلى درجة حصوله على جوائز، رغم ضعفه الواضح في المواد الأخرى، وبسبب انخفاض درجاته ترك المدرسة الثانوية عام 1842، ثم واصل تعليمه مع مدرس خاص، وتولت عمته صوفي تعليمه الديني خارج الإطار الرسمي، فكان لذلك دور مؤثر في وعيه.

أعجب في شبابه بإبداعات هارييت بيتشر ستو وفلورانس نايتنغيل وإليزابيث فراي، وكان يرى أن تأثير المرأة على المجتمعات سيزداد قيمة مع مرور الوقت، ونشأ في فترة شهدت صحوة دينية واسعة في جنيف، فكان لذلك أثر مباشر في ميله للعمل الخيري.

أمضى عدة أشهر في شمال أفريقيا نهاية خمسينيات القرن التاسع عشر، فتعرف إلى ثقافاتها، واطلع على الإسلام، وتعلم العربية، وأبدى تعاطفا مع الإصلاحات التي شهدها الغرب الإسلامي.

النشاط الاجتماعي ومسيرة الخدمة

بدأ نشاطه الاجتماعي في سن مبكرة، إذ انضم في الثامنة عشرة إلى جمعية الصدقة، وكان يعمل على دعم الفقراء والمرضى، وفي سن العشرين كان يزور السجن بصورة منتظمة، ويقرأ للسجناء ويساهم في إعادة دمج بعضهم في المجتمع.

في عام 1847 سافر إلى جبال الألب مع ثلاثة من أصدقائه، وأسهموا في إنشاء تجمع أسبوعي باسم جمعية الخميس، وفي العام نفسه كان واحدا من المؤسسين للتحالف السويسري الإنجيلي، وتولى الأمانة العامة له حتى عام 1859.

أسهم عام 1852 في تأسيس فرع جمعية الشبان المسيحيين في جنيف، وكان له دور محوري في جذب الأعضاء ونشر نشاط الجمعية في أوروبا، والمشاركة في صياغة ميثاقها الذي ما يزال مستخدما حتى اليوم، كما أسس مجموعة من المبشرين الشباب الذين كانوا يلتقون أسبوعيا في منزله.

شارك في تنظيم المؤتمر العالمي الأول لجمعية الشبان المسيحيين في باريس عام 1855، وذكرت بعض المصادر ارتباطه خلال تلك الفترة بمشاريع اقتصادية استعمارية في الجزائر، مثل استغلال المناجم والغابات.

وفي منتصف ستينيات القرن التاسع عشر، قدم مشروعا دوليا سماه إحياء الشرق، وهدف إلى إنشاء ميناء في حيفا وسكة حديد في القدس ومصرف في قسنطينة، ونشرت دراسته حول المشروع في باريس عام 1866.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى