الشيخ محمد السنوسي: فقيه الصحراء وموحد القبائل
أسماء صبحي – في أعماق الصحراء الغربية، بين الكثبان الرملية وأشجار النخيل. نشأت شخصيات تركت بصمات خالدة في ذاكرة التاريخ رغم بعدها عن مراكز الحكم الكبرى. ومن بين تلك الشخصيات يبرز الشيخ محمد السنوسي، مؤسس الحركة السنوسية، الذي اتخذ من واحة الجغبوب مقرًا لانطلاق دعوته الإصلاحية.والتي امتدت لاحقًا من الواحات المصرية إلى عمق الصحراء الليبية ثم تحولت إلى دولة قاومت الاستعمار ببسالة.
نشأة الشيخ محمد السنوسي
ولد محمد بن علي السنوسي عام 1787 في مستغانم بالجزائر، ونشأ في بيئة علمية صوفية حيث تتلمذ على يد كبار علماء المغرب. ثم رحل إلى مكة المكرمة، وهناك تعمق في دراسة العلوم الشرعية واطلع على أحوال الأمة الإسلامية. ما جعله يتجه نحو إصلاح ديني واجتماعي شامل.
وفي عام 1840، وبعد سلسلة من التنقلات، استقر الشيخ السنوسي في واحة الجغبوب المصرية قرب الحدود الليبية، ليجعل منها مركزًا لحركته التي جمعت بين التصوف السني والدعوة إلى نبذ البدع والتعصب. مع تنظيم اجتماعي صارم واحترام للبُنى القبلية.
عاصمة السنوسية الأولى
لم تكن الجغبوب مجرد واحة نائية، بل تحولت على يد السنوسي إلى قلعة علمية ودينية مؤثرة. وأسس فيها زاوية الجغبوب التي صارت بمثابة جامعة دينية تستقطب طلاب العلم من مصر وليبيا والسودان وحتى غرب إفريقيا.
وكانت الزاوية بمثابة نواة الدولة السنوسية لاحقًا. إذ مزج فيها السنوسي بين التعليم، والتصوف، والتنظيم القبلي، والنظام العسكري. ليشكل وحدة روحية واجتماعية بين القبائل المنتشرة في الصحراء الشاسعة بعد أن كانت تتناحر أو تنعزل عن بعضها.
فكر إصلاحي عابر للحدود
تبنى السنوسي فكرًا سنيًا وسطيًا يعتمد على القرآن والسنة ويعارض التشدد أو الغلو. كما انتقد بشدة الصراعات المذهبية التي كانت تعصف بالمجتمعات الإسلامية. وكان يركز على التعليم القائم على التفسير الصحيح للنصوص، ويشجع التجارة والتنمية الاقتصادية في الصحراء.
كما عمل على نشر الإسلام في إفريقيا الوسطى وأرسل بعثات دعوية إلى تشاد والنيجر والسودان. وأسهم في تأسيس مئات الزوايا والطرق الآمنة التي ربطت شمال إفريقيا بجنوبها.
ويقول الدكتور أشرف عبد العظيم، أستاذ التاريخ الحديث بجامعة أسيوط، إن محمد السنوسي شخصية نادرة جمعت بين العلم والعمل والتنظيم. كما استطاع توحيد قبائل متفرقة عبر خطاب ديني معتدل وتنظيم اجتماعي فريد، وقد لعبت الجغبوب دورًا شبيهًا بالأزهر في تأثيرها آنذاك.
من حركة روحية إلى قوة سياسية
مع الوقت، تطورت السنوسية من مجرد حركة إصلاحية إلى كيان سياسي له تأثير مباشر في إدارة شؤون القبائل في برقة وفزان والصحراء الليبية. وبعد وفاة السنوسي عام 1859، تسلم ابنه محمد المهدي السنوسي القيادة. واستمرت الحركة في التوسع حتى أصبحت تشكل تهديدًا مباشرًا للقوى الاستعمارية.
وكان للحركة دور كبير في مقاومة الاحتلال الفرنسي للجزائر ثم الاستعمار الإيطالي لليبيا لاحقًا. وظهر ذلك بوضوح خلال معركة الكفرة ومعارك الجهاد الليبي بقيادة عمر المختار الذي كان من خريجي الزوايا السنوسية.
العلاقة مع الدولة المصرية
ظلت العلاقة بين السنوسيين والدولة المصرية مرنة وحذرة في الوقت ذاته. فبينما رحبت مصر العثمانية بالوجود السنوسي كقوة إسلامية معتدلة كانت تراقب عن كثب نمو نفوذ الشيخ في الجغبوب. ومع الاحتلال البريطاني لمصر بدأ التضييق على الحركة السنوسية خاصة بعد أن اعتبرها الإنجليز نواة لحركات التحرر الوطني.
وفي عام 1895، اضطر السنوسيون لنقل مركزهم من الجغبوب إلى واحة الكفرة الليبية. بعد ضغوط بريطانية شديدة، لكنها ظلت محفورة في الذاكرة السنوسية كمنطلق روحي وديني.
تأثير الشيخ محمد السنوسي
ترك السنوسي أثرًا عميقًا في التكوين الثقافي والديني للواحات الغربية. فقد أعاد تنظيم العلاقة بين القبائل، ونشر التعليم الديني، وأسس نمطًا من الحكم المحلي قائمًا على الشورى والتزكية الدينية. ما جعل سكان هذه المناطق أكثر تماسكًا من غيرهم خلال فترات الاضطراب السياسي في القرن العشرين.
ويقول الباحث الليبي الهادي الغزال، مؤلف كتاب السنوسية في الميزان، إن الشيخ السنوسي صنع نموذجًا نادرًا لحركة دينية غير معزولة عن السياسة والمجتمع. لقد قدم للإسلام صورة معتدلة، متصالحة مع الهوية الأمازيغية والعربية على حد سواء، ولهذا بقيت السنوسية حية رغم كل محاولات التشويه.



