قبيلة توراجا الإندونيسية.. حين يتحول الموت إلى احتفال بالحياة الأبدية
في أعماق الجبال الخضراء بجزيرة سولاويسي الإندونيسية، تعيش قبيلة فريدة من نوعها تدعى توراجا، تؤمن بأن الموت ليس نهاية الحياة بل بداية جديدة، وأن الإنسان لا يُفارق الدنيا إلا ليبدأ مرحلة جديدة يسمونها بويا، أي الحياة الأبدية بعد الموت.
هذه القبيلة تعتبر الموت أغلى وأعظم حدث في حياة الإنسان، وتتعامل معه باحتفال وتقدير، لا بحزن وفراق. فهم يرون أن إكرام الميت لا يكون بدفنه سريعًا، بل بالاحتفاء به لسنوات طويلة، لأنهم يعتقدون أن هذا التقدير يجلب البركة ومحصولًا وفيرًا من الأرز.
قبيلة توراجا
كلمة توراجا مشتقة من مصطلح محلي قديم يعني أهل المرتفعات أو قاطني الجبال. ويعيش أفراد القبيلة في مناطق جبلية وعرة في جنوب الجزيرة، حيث الطبيعة الساحرة والمزارع الخضراء الممتدة التي تعكس ارتباطهم الوثيق بالأرض والزراعة.
ويقدر عدد أفراد القبيلة اليوم بأكثر من مليون نسمة، منهم نحو نصف مليون يعيشون في القرى الأصلية التي حافظت على طقوس الأجداد وعاداتهم القديمة المعروفة باسم ألوك تو دولو أي “عقيدة الأجداد”.
ديانة التوراجا وعاداتهم
اعتنق معظم أفراد توراجا الديانة المسيحية بعد وصول الاستعمار الهولندي في القرن العشرين، فيما يدين عدد منهم بالإسلام، لكنهم لا يرون أن طقوسهم تتعارض مع الديانات، بل يعدونها موروثًا ثقافيًا مقدسًا يمثل هويتهم وتاريخهم.
أما المسلمون منهم فلا يشاركون في هذه الطقوس، لكنهم يحضرونها احترامًا لعادات القبيلة وموروثها الاجتماعي.
أصول قبيلة توراجا وتاريخها
تشير الدراسات إلى أن أصول القبيلة تعود إلى مهاجرين قدموا من جنوب آسيا، تحديدًا من ماليزيا، واستقروا في مرتفعات سولاويسي. ويتحدثون لهجات متعددة من عائلة اللغات الأسترونيزية المنتشرة في جزر المحيط الهادئ وجنوب شرق آسيا.
ويقوم مجتمع توراجا منذ القدم على نظام اجتماعي هرمي كانت الطبقات الأرستقراطية فيه تملك مكانة كبيرة، غير أن هذه التركيبة تغيرت مع دخول الديانات الحديثة والاستعمار الأوروبي.
المعتقدات الروحية لدى التوراجا
يؤمن التوراجا بأن نبلاءهم ينحدرون من كائنات سماوية نزلت إلى الأرض عبر “درج من السماء”، وأن عليهم الحفاظ على طاقة الأرض واستمرارها من خلال طقوس الحياة والموت المرتبطة بزراعة الأرز، الذي يمثل مصدر الحياة عندهم.
ويقدّسون الجاموس ويعتبرونه رمزًا للقوة والخصوبة، حتى إنهم يصممون منازلهم على شكل قرون الجاموس، ويقدسون الأرض إلى حد يمنعهم من دفن موتاهم فيها.
ولذلك يضعون الجثامين في كهوف الجبال العالية أو داخل تجاويف الصخور، لأنهم يرون أن الأرض طاهرة لا يجب أن تُلامس أجساد الموتى.
الموت عند قبيلة توراجا.. حياة جديدة لا فناء
من المدهش أن الميت عند التوراجا لا يُعد ميتًا في نظرهم حتى يوم جنازته. بل يُعتبر شخصًا مريضًا يحتاج إلى عناية، فيبقى داخل منزل أسرته لأيام أو حتى سنوات.
ويُحنّط الجثمان مباشرة بعد الوفاة، وتقدَّم له الأطعمة والمشروبات كما لو كان حيًا. أفراد الأسرة يتحدثون معه، ويعتنون به، ويغيرون له الملابس بانتظام، ولا يتركونه وحيدًا.
في الماضي كانوا يستخدمون الخل وأوراق الشاي لتحنيط الجثث، أما اليوم فيستخدمون الفورمالين لحفظ الجسد أطول فترة ممكنة. ويظل الميت في المنزل إلى أن تجمع الأسرة المال اللازم لإقامة جنازة تليق بمكانته، إذ قد تبلغ كلفة الجنازة ملايين الروبيات الإندونيسية.
طقوس الجنازة.. أغلى جنازة في العالم
حين يحين موعد الجنازة، تبدأ احتفالات تمتد من 5 إلى 12 يومًا، وتتحول إلى مهرجان كبير يجمع الأقارب والضيوف من كل أنحاء المنطقة.
فكلما كان الميت أغنى، كانت جنازته أفخم، وحضرها أناس أكثر. يتوافد الزوار حاملين الهدايا للميت مثل المال والسجائر، وتُذبح عشرات الجواميس والخنازير والأحصنة لإعداد الولائم الضخمة.
يتحول المشهد إلى احتفال شعبي ضخم يشبه الأعراس، تُؤدى فيه الرقصات والأغاني التقليدية، وتقام عروض موسيقية وألعاب نارية، في إشارة إلى الانتقال المبهج للميت من عالم الأحياء إلى عالم الأرواح.
وأثناء الاحتفال، يجوب أهل الميت المكان لتحية الحاضرين واحدًا تلو الآخر في طقس رمزي يعبر عن شكرهم لكل من شاركهم وداع فقيدهم نحو الحياة الجديدة.
مراسم الدفن والتماثيل المقدسة
بعد انتهاء الاحتفالات، يُحمل الجثمان في موكب جنائزي كبير نحو الجبال، حيث يوضع داخل تابوت في كهف مرتفع أو تجويف صخري، ويرتب الموتى داخل الكهوف حسب مكانتهم الاجتماعية، فكلما كان المتوفى أرفع شأنًا، دفن في مكان أعلى. كما تنحت له تماثيل خشبية صغيرة تُسمى تاو تاو تمثله وتحرس قبره، وتُعتبر رمزًا لاستمراره في الحياة بعد الموت.
احتفال “المانيني”.. حين يعود الأموات إلى الحياة
بعد سنوات من الدفن، تقام مراسم سنوية تسمى مانيني أو “احتفال تنظيف الجثامين”، حيث تخرج الأسر جثامين موتاها من الكهوف، تغسلها، وتلبسها ملابس جديدة، وتطوف بها في القرى، ويؤمن التوراجا أن روح الميت تزور المكان الذي وُلد فيه وتوفي فيه، لذلك يسيرون بالجثمان نحو مسقط رأسه في طقس يمزج بين الوفاء والاعتقاد الروحي



