قبيلة الحمير في الأندلس.. جذور من الشرق صنعت حضارة في الغرب
أسماء صبحي – لم تكن الأندلس مجرد أرض جديدة فتحها العرب، بل كانت مسرحًا واسعًا لتلاقح الثقافات وتشكل هوية جديدة امتزجت فيها العروبة بالإسلام مع حضارة أوروبا. ومن بين القبائل العربية التي كان لها حضور مؤثر في الأندلس برزت قبيلة الحمر. التي حملت معها تقاليد اليمن العريق وأسهمت في صياغة جانب من ملامح المجتمع الأندلسي في عصره الذهبي.
قبيلة الحمير
دخل أفراد قبيلة الحمير إلى الأندلس منذ الفتح الإسلامي لشبه الجزيرة الإيبيرية في أوائل القرن الثامن الميلادي. وقد جاءوا ضمن الحملات التي قادها قادة كبار من أمثال موسى بن نصير وطارق بن زياد. إلا أن استقرارهم الفعلي كان مع البعثات العسكرية والسياسية التي رافقت بداية الحكم الأموي في الأندلس.
ورغم أن أعدادهم لم تكن ضخمة مقارنة ببعض القبائل الأخرى مثل قيس وكلب. فإن الحمير تركوا بصمة واضحة في مدن رئيسية مثل قرطبة وإشبيلية وطليطلة وغرناطة.
الدور الاجتماعي والسياسي
كان لليمنيين بصفة عامة ومنهم الحمير، مكانة معتبرة في الأندلس. فقد لعبوا دورًا في ترسيخ الحكم الأموي وكان لهم حضور بارز في المجالس السياسية والعسكرية. وقد ساعدهم ذلك على بناء مكانة اجتماعية قوية جعلت أسماء بعض بيوتاتهم تتردد في كتب التاريخ الأندلسي مثل بيت زيد الغَفيقي في إشبيلية.
كما أسهمت القبيلة في إرساء شبكة من العلاقات مع القبائل الأخرى لكن هذه العلاقات لم تكن دائمًا ودية. إذ كثيرًا ما ارتبطت بصراعات بين القبائل اليمنية والقيسية وهي صراعات أثرت في المشهد السياسي العام.
الحياة الثقافية والعسكرية
عرف أبناء الحِمْيَر بالفروسية وكان بعضهم قادة بارزين في جيوش الأندلس. وقد ساعدت خلفيتهم اليمنية الغنية بالتقاليد العسكرية على أن يكونوا جزءًا من الطبقة المحاربة التي حافظت على استقرار الحكم وسيادة الدولة.
في الجانب الثقافي، كان لهم دور في دعم اللغة العربية ونشرها كلغة العلم والأدب والإدارة. مما أسهم في تعزيز هوية الأندلس الإسلامية التي عرفت بتفوقها العلمي والفكري في أوروبا القرون الوسطى.
التحديات والصراعات
لم يكن مسار الحمير في الأندلس خاليًا من التحديات. فقد واجهوا منافسة شديدة من القبائل القيسية التي كانت ترى نفسها صاحبة الحق في السيطرة. وأدى هذا الصراع إلى انقسامات سياسية حادة، انعكست أحيانًا على أوضاع الحكم والقيادة.
كما أن موجات الثورات والفتن الداخلية خاصة في القرون الوسطى للأندلس أثرت على استقرار وجود القبيلة. ودفعت كثيرًا من أبنائها إلى الاندماج التدريجي مع نسيج المجتمع الأندلسي العام.
وقال الدكتور مروان الحسن أستاذ التاريخ الإسلامي بجامعة قرطبة، أكد أن قبيلة الحمير لم تكن من القبائل الأكبر عددًا في الأندلس. لكنها امتلكت أهمية خاصة من خلال دورها السياسي والعسكري. فقد ساعد أفرادها في ترسيخ الحكم الأموي. وكان لهم حضور في إشبيلية وقرطبة على وجه الخصوص، وهو ما يجعل أثرهم في المجتمع الأندلسي أكبر من حجمهم العددي.
وأضاف أن القبائل اليمنية بشكل عام كانت تمثل عامل توازن سياسي في مواجهة القبائل القيسية، والحِمْيَر جزء مهم من هذا التوازن.
أثرهم في الهوية الأندلسية
يمكن القول إن الحمير مثل غيرهم من القبائل العربية، ساعدوا في بناء هوية أندلسية مميزة جمعت بين العربية والإسلامية والأوروبية. فإسهامهم لم يقتصر على السياسة والعسكرية فقط بل امتد إلى المجتمع والثقافة واللغة. ولعل هذا التداخل هو ما جعل الحضارة الأندلسية واحدة من أكثر الحضارات تنوعًا وإبداعًا في تاريخ الإنسانية.



