وطنيات

حرب العاشر من رمضان.. ملحمة العبور وواحدة من أذكى عمليات الخداع الاستراتيجي في التاريخ الحديث

أسماء صبحي – لم تكن حرب العاشر من رمضان 1973 مجرد مواجهة عسكرية تقليدية بين جيشين على خط مواجهة، بل كانت معركة عقول سبقت معركة السلاح بسنوات. فما جرى قبل ظهر السادس من أكتوبر لم يكن تحركات عشوائية، وإنما خطة خداع استراتيجي محكمة أدارها المصريون بدقة شديدة. حتى نجحوا في تضليل إسرائيل وأجهزة استخباراتها وحلفائها وفي مقدمتهم الولايات المتحدة إلى اللحظات الأخيرة.

رسائل سلام تخفي قرار حرب العاشر من رمضان 

منذ توليه الحكم بعد رحيل الرئيس جمال عبد الناصر، عمل الرئيس الراحل أنور السادات على إرسال إشارات متكررة عبر قنوات دبلوماسية ووسطاء غربيين مفادها أن مصر لا تنوي خوض حرب جديدة. وأنها تفتقر إلى القدرة العسكرية الكافية لمواجهة إسرائيل، وأنها تفضل حلًا سياسيًا يعيد الأرض دون مواجهة شاملة.

هذه الرسائل لم تكن عفوية، بل مدروسة بعناية تصل في توقيت محسوب إلى واشنطن وتل أبيب، لتؤكد الانطباع السائد بأن القاهرة تسعى إلى تسوية تفاوضية لا أكثر. وفي الوقت الذي كانت فيه الدبلوماسية تتحدث عن السلام، كانت المؤسسة العسكرية تعيد ترتيب أوراقها بهدوء استعدادًا لقرار مختلف تمامًا.

مناورات متكررة

على الأرض، نفذت القوات المسلحة المصرية سلسلة طويلة من المناورات العسكرية على جبهة قناة السويس. وخلق تكرار هذه التدريبات حالة من الاعتياد لدى الجانب الإسرائيلي؛ رفع درجة الاستعداد، ثم إعلان أن الأمر مجرد “تدريب روتيني”. تحركات في المطارات.ثم عودة إلى الهدوء. استعدادات هندسية على الضفة الغربية للقناة ثم توقف مفاجئ.

بمرور الوقت، فقدت التحركات المصرية عنصر الإثارة لدى أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية. وأصبحت تُفسر دائمًا في إطار الاستعراض أو الضغط السياسي لا التمهيد لحرب حقيقية.

إدارة المعلومات وتضليل شبكات التجسس

واحدة من أخطر أدوات الخداع تمثلت في إدارة المعلومات. فبعض شبكات التجسس الإسرائيلية داخل المنطقة نقل إليها ما أُريد لها أن تنقله: صورة جيش يعاني الإرهاق بعد سنوات من الاستنزاف. اقتصاد يئن تحت الضغوط، وقيادة سياسية تبحث عن مخرج تفاوضي.

الرسالة التي وصلت إلى تل أبيب كانت واضحة: مصر غير مستعدة للحرب ولا تملك رفاهية المغامرة. وعزز هذا التقدير شعورًا بالثقة لدى المؤسسة العسكرية الإسرائيلية بأن أي تحرك مصري لن يتجاوز حدود المناورة أو التصعيد المحدود.

المفاجأة التي أربكت الحسابات

المفاجأة الأكبر لم تكن في قرار الحرب فحسب، بل في توقيتها. كانت إسرائيل تستبعد تمامًا أن تختار مصر شهر رمضان لبدء هجوم واسع. ومن وجهة نظرهم، جيش صائم لن يخوض معركة كبرى والإجهاد سوف يحول دون تنفيذ عملية عسكرية معقدة.

لكن الحسابات الإسرائيلية أغفلت البعد المعنوي والديني لدى الجندي المصري الذي حول شهر الصيام إلى دافع إضافي. وفي مفارقة لافتة، تزامن الهجوم مع يوم “عيد الغفران” في إسرائيل. وهو أحد أكثر الأيام قدسية في التقويم العبري حيث يتوقف النشاط العام بشكل شبه كامل.

السادس من أكتوبر لحظة الصدمة

في تمام الساعة الثانية ظهرًا، يوم 6 أكتوبر 1973 الموافق العاشر من رمضان، انطلقت الضربة الجوية المصرية إيذانًا ببدء العمليات. توقيت لم يكن في حسابات العدو، وشهر لم يتوقعوه، وظرف لم يقدر بدقة في دوائر القرار الإسرائيلية.

وقبلها بيوم واحد فقط، كان وزير الخارجية المصري يجلس في لقاء هادئ مع وزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر، يتحدثان عن مبادرات سياسية واحتمالات تسوية سلمية. ولم يكن هناك ما يوحي بأن عاصفة عسكرية على وشك الانفجار. لكن في ظهر السادس من أكتوبر سقطت كل التقديرات الخاطئة دفعة واحدة.

من الخداع إلى العبور

مع انطلاق الضربة الأولى، انتهت مرحلة الخداع وبدأت مرحلة التنفيذ. وعبرت القوات المصرية قناة السويس، وحطمت خط بارليف، ورفعت العلم المصري على الضفة الشرقية. في مشهد أعاد التوازن إلى الصراع العربي الإسرائيلي وغير الكثير من المعادلات السياسية والعسكرية في المنطقة.

لاحقًا، اعترف هنري كيسنجر في مذكراته المعنونة سنوات مضطربة بأن الولايات المتحدة وإسرائيل فوجئتا بالحرب. وخصص فصلًا بعنوان “لماذا أُخذنا على حين غرة” في إشارة صريحة إلى أن أجهزة التقدير الاستراتيجي لم تستوعب حجم ما كان يحاك إلا قبل ساعات قليلة من اندلاع القتال.

حرب لم يتوقعها العدو أصلًا

المفارقة أن المفاجأة لم تكن فقط في ساعة الصفر، بل في أن المؤسسة الإسرائيلية كانت مقتنعة بأن الحرب لن تقع من الأساس. هذا الاطمئنان الزائد كان الثغرة التي نفذت منها الخطة المصرية.

وهكذا، لم تكن حرب العاشر من رمضان مجرد انتصار عسكري في ساحة المعركة. بل كانت أيضًا انتصارًا استخباراتيًا واستراتيجيًا أثبت أن إدارة المعلومات والتوقيت قد تكون أحيانًا سلاحًا لا يقل فاعلية عن الطائرات والدبابات.

لقد كتبت مصر في السادس من أكتوبر صفحة جديدة في تاريخها ليس فقط بعبور القناة. بل بعبور حاجز الخوف وكسر أسطورة التفوق المطلق في معركة بدأت بالخداع الذكي وانتهت بواحدة من أبرز لحظات الفخر في التاريخ المصري الحديث. جاء ذلك نقلًا عن المقاتل محمد السيد حجازى أحد أبطال سلاح المهندسين العسكريين فى حرب أكتوبر المجيدة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى