عادات و تقاليد
أخر الأخبار

العقوبات في القضاء العرفي

العقوبات في القضاء العرفي

حاتم عبدالهادي السيد

هناك عقوبات تُعد رادعة تتجاوز مجرد التعويض المالي، وتشمل:
الدية المالية التي تُفرض على المعتدي، وتُحدد قيمة الدية وفق الأعراف المتفق عليها. أو طرد المعتدي اجتماعيًا أو تجميد علاقاته القبلية لفترة زمنية، ما يعني عزله عن الدعم القبلي، أو (تشميسه)، ويكون ذلك من جانب قبيلته، لمعرفة الجميع بسوء سلوكه، حيث يرفضون الإعتراف به، وهنا لو قتل ، أو أصيب بأذى “فلا دية له، ولا يحق لقبيلته المطالبة بدية له بعد ذلك “.

أما العقوبات المغلظة في القضايا التي تمس عفة المرأة (كالبشعة، أو الاعتداء الجسدي)، وغالبًا ما تكون مقدّرة بشكل يعكس خطورة الاعتداء الاجتماعي على الأسرة والقبيلة.
ويعد المنشد أعلى سلطة قضائية عرفية في البادية، وقد أطلق عليه اسم المنشد المسعودي لأن قضاته من قبيلة المساعيد ما يُسمّى القاضي “المسعودي” أو المنشد هو أعلى سلطة عرفية في هذا النوع من قضايا العرض والشرف، والإعتداء على حرماتها، أو التعدي عليها ليلا ، أو نهارا، أو صاحب مستنجدة، وتحرش بها : (صحيحة الضحى)؛( صحيحة الليل)، فالحكم هنا للقاضي المسعودي، حيث أن حكمه يُعتبر نهائيًا ،ونافذًا ، بدون نقض، أو اعتراض، إلا في حالات قلّما تحدث. ويكون حكم القاضي مغلظا حيث ” الإيد اللي اتمدت عليها تقطع أو يتم افتداؤها بعدد كبير من الإبل، والرجل اللي مشت ليها تقطع ،أو يتم فديتها بعدد من الإبل، والعين اللي نظرت لها تقلع أو يتم فدوها، ويتم تحديد جمل ازريقان ، أو عدد من النوم والإبل كبيرا يصل إلى مائتين أو أكثر ، إلى جانب عدد من الماعز، ويتم تعليق رايات بيضاء على ماء شهير ،أو مكان جهير، كي يعرف الجميع ببرائتها)، وغير ذلك.

وفي بعض الحالات، يُستخدم رفع رايات سوداء أو رموز اجتماعية للدلالة على تطبيق حكم صارم أو تنفيذ عقوبة ما. هذه الممارسة ليست قانونية رسمية، لكنها رمز اجتماعي قوي يدل على تنفيذ الحكم واحترامه من الجميع.

وتُعد حرمة البيت من القيم الاجتماعية العليا لدى البدو في سيناء، وقد صنّف القضاء العرفي الاعتداء على حرمة البيت أو على المرأة داخل البيت كجريمة كبرى، تستدعي عقوبات رادعة تعكس قيمة الشرف والكرامة في ثقافة البادية.
وفي قضايا الإعتداء الجنسي، أو ما يمس العِرض والشرف — يقول الباحث الأردني / راشد الإحيوي : يتم التعامل معه وفق إجراءات صارمة في الجلسات العرفية، وتكون العقوبات على المعتدي مغلظة نوعًا ما، مقارنة بنظام التعويض المدني، وذلك لأن المجتمع يربط الشرف بصلة وثيقة باستمرار العلاقات الاجتماعية والقبيلة نفسها.

ومن أبرز مزايا النظام العرفي أنه يستجيب سريعًا للنزاعات داخل الأسرة أو القبيلة، خصوصًا في قضايا المرأة، مثل الاعتداءات أو الإرهاب الاجتماعي، لأن الجلسات لا تستغرق عادة أكثر من ثلاثة أيام من بداية النزاع إلى الحكم، ما يضمن تنفيذ القرار بسرعة ويقي المرأة من تطوّر النزاع أو انتشاره، لذا فإن القضاء العرفي يشكّل آلية لضبط العلاقات بين القبائل والأسر، ويمنح المرأة في البادية ثقة وطمأنينة بأن لها ملاذًا عدليًا داخليًا، يحمي حقوقها بسرعة وحكمة.

خاتمة :
إن القضاء العرفي في سيناء ليس مجرد إجراء تقليدي لحل النزاعات، بل هو نظام عدالة متكامل وفاعل قائم على الأعراف والتقاليد التي تحظى بقبول كامل داخل المجتمع البدوي. وقد أثبت عبر الممارسة العملية أنه انتصَر لحقوق المرأة السيناوية البدوية من خلال جلسات عرفية واضحة الإجراءات، وأنظمة عقوبات صارمة، وحضور قوي للمجتمع كله عبر الكفلاء والقبائل. كما أن الطبيعة الرمزية والقيمية للعقوبات مثل رفع الرايات، الردع الاجتماعي، والصلح القبلي تعكس مدى ارتباط هذا النظام بروح العدالة الاجتماعية والحماية القبلية، مما يجعله مرجعًا حقيقيًا للقانون والمجتمع .

حاتم عبدالهادي السيد
رئيس رابطة المؤرخين العرب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى