تاريخ ومزارات

بيت الدين حكاية قصر صنع التاريخ في قلب جبل لبنان

تقع بلدة بيت الدين في محافظة جبل لبنان ضمن قضاء الشوف، وتبعد قرابة أربعين كيلومترا عن العاصمة بيروت، وترتفع حوالي ثمانمئة وخمسين مترا عن سطح البحر، ما يمنحها موقعا طبيعيا مميزا وإطلالة تجمع بين الجمال والهيبة.

مع نهاية القرن السابع عشر وبعد انتقال الحكم إلى بني شهاب، قرر الأمير بشير الثاني نقل عاصمة الإمارة من دير القمر إلى بيت الدين، واختارها لتكون مقرا لقصره الكبير، في خطوة حملت أبعادا سياسية وعمرانية شكلت نقطة تحول في تاريخ المنطقة.

استمرت أعمال تشييد القصر نحو عشرين عاما، إذ سعى الأمير بشير الشهابي إلى إقامة صرح يجمع بين الطراز الدمشقي والطراز الأوروبي إلى جانب المعمار اللبناني المحلي، فخرج القصر بتصميم فريد جعله من أبرز التحف المعمارية في بدايات القرن التاسع عشر.

ملامح تصميم قصر بيت الدين

يستقبل قصر بيت الدين زواره بفسيفساء أنيقة من الرخام الإيطالي، وأبراج مربعة تضفي على المكان طابعا مهيبا، ويضم القصر قاعة واسعة وثلاثة أقسام رئيسية لا تزال تحتفظ بأسمائها التاريخية، وهي دار الحريم، الدار الوسطى، والدار الخارجية.

توزعت طوابق القصر وقاعاته لتخدم أغراضا متعددة، فخصصت مساحات لتمارين ركوب الخيل وإقامة الاستعراضات والاحتفالات اليومية، إلى جانب قاعات استقبال الضيوف وغرف سكن أفراد القصر، في تنظيم يعكس طبيعة الحياة السياسية والاجتماعية في تلك المرحلة.

ويحتضن القصر بين هذه الطوابق متحفا يضم مجموعة من الحلي الذهبية والأسلحة والمقتنيات التي تعود إلى عصور مختلفة من القرنين التاسع عشر والعشرين، لتشكل شاهدا ماديا على التحولات التاريخية التي مرت بها المنطقة.

كما تميز القصر بتصميم أعمدته ونوعية الأحجار المستخدمة فيها، حيث فصلت هذه العناصر المعمارية بين الغرف بطريقة مدروسة أظهرت براعة البناء ودقة التفاصيل.

بيت الدين في مواجهة الاضطرابات السياسية

على امتداد تاريخه، تأثر قصر بيت الدين بالحروب والاضطرابات السياسية التي شهدها لبنان، فبعد الاحتلال الفرنسي للبلاد خضع القصر للإدارة الفرنسية بين عامي 1920 و1943، وهو ما أدى إلى حرمان اللبنانيين من دخوله طوال تلك الفترة.

وبعد الاستقلال، عاد القصر إلى الواجهة الوطنية في عهد الرئيس بشارة الخوري، ليبدأ مرحلة جديدة في مسيرته السياسية والتاريخية.

المقر الصيفي لرئاسة الجمهورية

أدركت السلطات اللبنانية أهمية قصر بيت الدين، فضمته إلى قائمة قصور رئاسة الجمهورية، ونظرا لبعده النسبي عن العاصمة، اعتمد مقرا صيفيا للرئاسة اللبنانية، حيث كان الرئيس يدير شؤون الحكم منه خلال فصل الصيف.

ومع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975، تراجع حضور القصر سياسيا وغاب اسمه عن المشهد لسنوات طويلة، قبل أن يعود مجددا عام 1999 في عهد الرئيس إميل لحود، ثم استمر حضوره خلال فترتي الرئيس ميشال سليمان والرئيس ميشال عون منذ نهاية عام 2016.

من صرح سياسي إلى مركز فني ومزار سياحي

دخل قصر بيت الدين مرحلة جديدة عندما تحول إلى مقر للمهرجانات الفنية الدولية، مستفيدا من موقعه المميز ومساحاته الواسعة، ومع مرور الوقت أصبح مقصدا سياحيا لأبناء المنطقة وزوار لبنان من مختلف الدول.

ورغم ما تشهده الساحة اللبنانية من خلافات وتقلبات سياسية، يظل بيت الدين صرحا أثريا راسخا، يوثق قرونا من التاريخ، ويحمل في جدرانه ذاكرة وطن وهوية مكان لا تغيب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى