مجزرة مسجد كتشاوة.. عندما حوّلت فرنسا بيت الله إلى ساحة دماء

يعد مسجد كتشاوة في قلب العاصمة الجزائرية أحد أبرز الشواهد التاريخية على وحشية الاستعمار الفرنسي، ليس فقط لأنه تحفة معمارية عثمانية تعود لعام 1520 بناها خير الدين بربروس، بل لأنه ارتبط بمجزرة بشعة ارتكبها الفرنسيون بحق آلاف الجزائريين بعد دخولهم الجزائر.
الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، وخلال لقاء متلفز، أعاد التذكير بالمأساة قائلاً إن فرنسا ارتكبت جرائم لا تُمحى بكلمات، وضرب مثالاً بما جرى في مسجد كتشاوة حين أبيد آلاف المصلين الذين اعتصموا داخله رفضًا لتحويله إلى كاتدرائية.
منارة عثمانية تحولت إلى كاتدرائية
مسجد كتشاوة شيد في منطقة القصبة التاريخية بالجزائر العاصمة، وظل رمزًا دينيًا وثقافيًا حتى سقوط الجزائر في قبضة الفرنسيين عام 1830، بعد سنوات قليلة، قرر الاحتلال الاستيلاء عليه وتحويله إلى كنيسة، فهب الجزائريون لحمايته.
المؤرخون يؤكدون أن الجيش الفرنسي حاصر المسجد في ديسمبر 1832، وفتح نيران مدافعه على جموع المصلين، ما أسفر عن استشهاد ما لا يقل عن أربعة آلاف شخص كانوا يدافعون عن بيت من بيوت الله، وبعد أسبوع فقط من تنظيف الدماء ونقل الجثث، أقيمت فيه صلاة القديس كرمز لانتصار الاستعمار.
شاهد على بشاعة الاستعمار
المؤرخ الجزائري عامر رخيلة أوضح أن هذه الجريمة لم تكن حادثًا معزولًا، بل بداية لسلسلة مجازر ارتكبها الاستعمار الفرنسي على مدى 132 عامًا، سعت إلى محو الهوية الإسلامية للجزائريين وطمس ثقافتهم.
حتى الروايات الشعبية التي تناقلها سكان القصبة القديمة تتحدث عن دفن عشرات الجثث داخل المسجد نفسه وفي محيطه، لتبقى رائحة الدماء عالقة في ذاكرة المكان.
من التدمير إلى الاسترجاع
بعد تدمير المسجد وتحويله إلى كاتدرائية عام 1844، ظل على حاله حتى استقلال الجزائر عام 1962، حين استعاد مكانته كجامع عريق، لكن أضراره زادت بفعل الزلازل حتى أُغلق عام 2008، قبل أن يخضع لعملية ترميم كبرى قادتها وكالة التعاون التركية “تيكا”، وأُعيد افتتاحه في 2018 كمعلَم بارز من معالم الجزائر الروحية والتاريخية.
رمز مقاومة وهوية
اليوم يقف مسجد كتشاوة شاهدًا على تاريخ طويل من المقاومة، ودليلًا على أن الجزائريين لم يتخلوا يومًا عن دينهم وهويتهم رغم محاولات الطمس والتغيير، وبحسب شهادات مؤرخين وسكان محليين، فإن دماء الآلاف التي سالت فيه جعلت منه رمزًا خالدًا للتضحيات التي قُدمت في سبيل بقاء الإسلام والهوية الجزائرية.



