السامر البدوي في بلاد الشام.. طقس اجتماعي يحفظ الهوية ويجمع العائلات تحت نجوم الصحراء
أسماء صبحي– يعد السامر البدوي من أبرز العادات الاجتماعية والتراثية في مناطق البادية ببلاد الشام، خاصة في الاردن وفلسطين وجنوب سوريا وشمال السعودية. حيث يمثل هذا الطقس احد اشكال التجمع الشعبي الذي يجمع العائلات والقبائل في مناسبات الفرح والاحتفال، ويعكس روح التضامن والانتماء بين ابناء المجتمع الواحد. وعلى الرغم من التطورات الحديثة التي شهدتها المجتمعات العربية، لا يزال السامر يحافظ على حضوره القوي كجزء اصيل من التراث الثقافي في الشرق الاوسط.
السامر ليس مجرد رقصة او غناء جماعي، بل هو تقليد اجتماعي متكامل يجمع بين الشعر النبطي والغناء والرقص والحوار. ويقام غالبا في الاعراس او المناسبات الوطنية والاجتماعية الكبرى. ويحرص المشاركون على الوقوف في صفين متقابلين، بينما يتوسطهم شاعر او مغن يقود الانشاد الشعبي. فيردد الحضور ابياتا شعرية تتغنى بالشجاعة والكرم والحب والوطن.
السامر البدوي
يرجع تاريخ السامر الى مئات السنين، حيث نشأ في بيئات البادية التي اعتمدت على التجمعات الليلية حول النيران كوسيلة للتواصل وتبادل الاخبار وتعزيز الروابط الاجتماعية. ومع مرور الزمن، تحول هذا التجمع الى طقس احتفالي له قواعده الخاصة وادواته الموسيقية التقليدية مثل الطبول والدفوف. بالاضافة الى الاهازيج الشعبية التي تنتقل من جيل الى اخر.
ويحرص كبار السن في القبائل على تعليم الشباب اصول السامر، باعتباره رمزا للهوية البدوية والعربية، ووسيلة للحفاظ على الموروث الشعبي من الاندثار. كما يتميز السامر بقدرته على جمع مختلف الاعمار في مشهد واحد حيث يشارك فيه الرجال والشباب. بينما تتولى النساء التحضير للاحتفال وتجهيز المكان وترديد الزغاريد التي تضفي اجواء الفرح.
رمزية اجتماعية وثقافية
يحمل السامر دلالات اجتماعية عميقة تتجاوز حدود الاحتفال، فهو وسيلة لتعزيز قيم التعاون والتكافل بين افراد المجتمع. ففي الاعراس مثلا، يعتبر اقامة السامر دليلا على الفرح الجماعي ومشاركة الجميع في المناسبة. كما يمنح الفرصة للشعراء الشعبيين للتعبير عن الفخر والانتماء والاعتزاز بالقبيلة والوطن.
كما يعكس السامر قيم الكرم والترحيب بالضيوف، اذ يستقبل اهل المناسبة المشاركين بالقهوة العربية والتمر في مشهد يعبر عن الاصالة العربية التي تقوم على حسن الضيافة. وفي بعض المناطق، يستمر السامر حتى ساعات الفجر، حيث يتحول الى مساحة للحوار وتبادل القصص والذكريات.
تحديات العصر الحديث
على الرغم من استمرار حضور السامر في العديد من المناطق، الا انه يواجه تحديات مرتبطة بتغير نمط الحياة وانتقال كثير من السكان من البادية الى المدن. مما أثر على وتيرة اقامته مقارنة بالماضي. كما ساهمت وسائل الترفيه الحديثة في تراجع بعض مظاهر التراث الشعبي بين الاجيال الجديدة.
ومع ذلك، تسعى مؤسسات ثقافية وهيئات تراثية في عدد من دول الشرق الاوسط الى احياء هذا التقليد من خلال تنظيم مهرجانات شعبية وفعاليات تراثية تهدف الى تعريف الشباب باهمية السامر ودوره في الحفاظ على الهوية الثقافية.
يقول الباحث في التراث الشعبي الدكتور احمد الرواشدة، وهو متخصص في الثقافة البدوية بالاردن، إن السامر البدوي ليس مجرد رقصة شعبية، بل هو سجل حي لذاكرة المجتمع البدوي، يحمل في طياته قيما انسانية عميقة مثل الكرم والشجاعة والتضامن. ويعني الحفاظ على هذا التقليد الحفاظ على جزء مهم من الهوية العربية في مواجهة العولمة والتغيرات السريعة”.
واضاف ان الاهتمام بالسامر يجب ان يكون من خلال ادراجه في المناهج الثقافية والفعاليات السياحية. مشيرا الى ان التراث غير المادي يمثل رصيدا حضاريا مهما يعكس تاريخ المنطقة وثراءها الثقافي.



