قبيلة طيء في سوريا.. جذور التاريخ وبصمة العرب في بلاد الشام
أسماء صبحي – في بادية الشام وصحراء سوريا الممتدة من حماة إلى الحسكة، تبرز قبيلة عربية ذات تاريخ عميق وحضور قوي. وهي قبيلة طيء، التي كانت وما تزال واحدة من أبرز القبائل في بلاد الشام. وتعود أصول هذه القبيلة إلى شبه الجزيرة العربية لكنها استقرت في مناطق واسعة من سوريا منذ العصر الإسلامي المبكر. وأسهمت في تشكيل ملامح الحياة الاجتماعية والسياسية في الشمال والشرق السوري. وقد عرفت طيء بكرمها وشجاعتها وشعرائها، كما اشتهرت بفرعيها الرئيسيين: آل فضل وآل ربيعة.
الأصل والنسب
قبيلة طيء هي قبيلة عربية قحطانية تنتمي إلى طيء بن أدد بن زيد بن كهلان من سبأ اليمنية. وقد هاجرت طيء من اليمن عقب انهيار سد مأرب كغيرها من القبائل القحطانية. واستقرت في جبل طيء الذي أصبح يعرف لاحقًا بـ”جبل سلمى” و”أجا” في منطقة حائل بالسعودية، ثم انتقلت مجموعات منها إلى العراق وسوريا.
ويقول المؤرخ ابن خلدون في تاريخه: “طيء من أكرم قبائل العرب وأشدهم بأسًا. وكان لهم في الشام والعراق ممالك ومراكز نفوذ، سيما في العهد المملوكي وما بعده”.
استقرار قبيلة طيء في سوريا
مع بداية الفتح الإسلامي لبلاد الشام في القرن السابع الميلادي. تقدمت بطون من قبيلة طيء شمالًا واستقرت في البادية السورية خاصة في المناطق الواقعة شرق حماة وجنوب الرقة وشمال دير الزور. وقد لعبوا دورًا في دعم الجيوش الإسلامية، وشاركوا في المعارك الكبرى مثل اليرموك والقادسية.
وخلال العهدين الأيوبي والمملوكي، حصلت قبيلة طيء على امتيازات واسعة وكان منها من تولى إمارة البادية. مثل آل فضل الذين كانت لهم سلطة على طرق القوافل والحجاج.
أبرز فروع قبيلة طيء في سوريا
تنقسم قبيلة طيء في سوريا إلى عدة بطون وفروع، أبرزها:
- آل ربيعة: وهم من أقدم بطون طيء في الجزيرة السورية، ويستوطنون مناطق الحسكة والقامشلي.
- آل جعفر: يتركزون في البادية الشرقية، ولهم علاقات قربى مع قبائل شمر.
- الضبيان: من فروع طيء التاريخية في بادية تدمر والرقة.
- آل علي: موجودون في منطقة حمص وشرق حماة.
وقد انقسمت القبيلة في العصر الحديث إلى تجمعات قبلية مرتبطة بأماكن الاستقرار. لكنهم ما زالوا يحتفظون بهويتهم الطائية الأصلية.
مكانتهم الاجتماعية والسياسية
لقبيلة طيء وزن كبير في المجتمع السوري، خاصة في البادية الشرقية. ومنذ العهد العثماني، كان لشيوخ طيء دور في إدارة شؤون البادية ومساعدة الدولة في فرض النظام مقابل حصولهم على امتيازات إدارية.
كما برز عدد من رموز طيء في الحياة العامة، مثل:
- الشيخ فواز الكعود الطائي، أحد وجهاء محافظة الحسكة.
- الشيخ عبد العزيز الرواس، الذي شارك في المؤتمرات الوطنية السورية في عشرينيات القرن الماضي.
وفي العصر الحديث، شارك العديد من أبناء طيء في مؤسسات الدولة. من البرلمان إلى الجيش وكان لهم دور في حماية الحدود الشرقية لسوريا.
الهوية الثقافية والعادات
لا تزال قبيلة طيء تحتفظ بجوانب كثيرة من العادات البدوية العربية الأصيلة. ومنها:
- الشعر النبطي: الذي يعتبر وسيلة للتوثيق والتفاخر، ومن أشهر شعرائهم في العصر الحديث الشاعر راكان الطائي.
- الدواوين القبلية: وهي مجالس تعقد لحل النزاعات واستقبال الضيوف.
- أعراس طيء: التي تتميز برقصة “السامر” المعروفة، وبالقصائد التي تمدح النسب والطُهر القبلي.
- الكرم والضيافة: وهي من أهم السمات التي يفاخر بها أبناء طيء، ويضرب بها المثل في الشام والعراق.
ويقول الدكتور محمود الشاويش، أستاذ التاريخ الاجتماعي في جامعة دمشق، إن قبيلة طيء في سوريا واحدة من أقدم وأعرق القبائل التي استوطنت بلاد الشام. كما كان لها دور فعّال في ربط شرق سوريا بالعراق، وفي حماية طرق التجارة القديمة. وقد حافظت على مكانتها رغم التغيرات السياسية التي شهدتها المنطقة. وظلت تلعب دور الوسيط في النزاعات، والحاضن الاجتماعي في فترات الحرب.



