دور القبائل في تشكيل المشهد السياسي والاجتماعي في منطقة الخليج
أسماء صبحي – لطالما شكلت القبيلة في منطقة الخليج العربي حجر الأساس في البناء الاجتماعي. وساهمت بشكل محوري في رسم ملامح الهوية السياسية والثقافية لشعوب المنطقة. وبالرغم من التحديث الكبير الذي شهدته دول الخليج منذ منتصف القرن العشرين. ما تزال القبائل تلعب أدوارًا بارزة في الشأنين السياسي والاجتماعي، وتعد فاعلًا مؤثرًا في التوازنات الداخلية والخارجية.
القبيلة والنظام السياسي
في كثير من دول الخليج، ينظر إلى القبائل باعتبارها أحد أعمدة الشرعية السياسية. فقد وفرت القبائل الغطاء الاجتماعي للحكم، وارتبطت بعلاقات تاريخية مع الأسر الحاكمة. وفي دول مثل السعودية والكويت وقطر، احتفظت القبائل بوزن سياسي معتبر سواء من خلال التمثيل في المجالس النيابية أو المشورة في السياسات العامة.
وقد استفادت الحكومات الخليجية من قوة القبائل من خلال ما يمكن تسميته بـ”توازن التحالفات”. حيث يتم إشراك رموز القبائل في مناصب إدارية أو تشريعية. لضمان ولاء القاعدة الشعبية وتعزيز الاستقرار الداخلي.
القبائل والهوية الاجتماعية
تلعب القبيلة في الخليج دورًا محوريًا في تشكيل الهوية الفردية والجماعية. حيث لا يزال الانتماء القبلي عنصرًا رئيسيًا في تعريف الذات، ويستحضر في السياقات الاجتماعية كالزواج، والوظيفة. وحتى في التفاعل اليومي.
وفي بعض المجتمعات الخليجية، لا تزال العلاقات القبلية تفرض أنماطًا محددة من التضامن. كالدعم المالي لأبناء القبيلة أو الوساطة في حل النزاعات.
وفي المقابل، تسهم القبائل في تعزيز القيم التقليدية مثل الكرم والشجاعة والنخوة. وهي سمات لا تزال حاضرة في الحياة الخليجية المعاصرة.
القبيلة والإعلام الجديد في منطقة الخليج
مع توسع استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، انتقلت القبائل إلى الفضاء الرقمي. حيث أصبحت الحسابات التي تمثل قبائل معينة مصدرًا لنقل الأخبار، وتبادل الدعم، وتنظيم الفعاليات. كما ظهرت مبادرات شبابية تستعيد التاريخ القبلي في قوالب عصرية، وتستخدم المنصات الرقمية لربط الجيل الجديد بجذوره.
ومع ذلك، أفرزت هذه الظاهرة بعض التحديات، مثل تنامي النعرات القبلية في الفضاء الإلكتروني. ما دفع بعض الدول الخليجية إلى سن قوانين تجرم التحريض القبلي أو استخدام الانتماء كأداة للتفرقة.
ورغم التداخل الإيجابي بين الدولة والقبيلة في الخليج، إلا أن هذه العلاقة تواجه تحديات معقدة. فالتوسع الحضري والتعليم، والاندماج في سوق العمل الحديث، جعل بعض فئات الشباب تميل إلى هوية وطنية أوسع تتجاوز الانتماء القبلي. وفي المقابل، هناك جهود حكومية لدمج القبائل في مؤسسات الدولة، ليس فقط كقواعد اجتماعية، بل كقوى إنتاجية وتنموية.
وتعد رؤية “القبيلة كشريك في التنمية” أحد مفاتيح فهم مستقبل العلاقة بين الطرفين. خاصة أن منطقة الخليج ما زالت تحتفظ بتوازن دقيق بين الحداثة والجذور التقليدية.



