سر اللحم المعلق وموقع قلعة الجبل.. كيف قرأ صلاح الدين إشارات الطبيعة قبل بناء الحصن العظيم

في الأزمنة القديمة، اعتمد الناس على أساليب غير مألوفة لتحديد المواقع المثالية لبناء المدن أو تشييد الحصون، ومن بين أكثر هذه الطرق غرابة وتعقيدًا، استخدامهم للحم الطازج كوسيلة لاختبار مناخ المكان، فكانوا يعلّقون قطعة من اللحم في الهواء الطلق، يراقبون مدى سرعة تغير لونها وفسادها، فإذا تعفنت خلال وقت قصير، فهموا أن المناخ لا يصلح للبناء فيه، فيتجهون إلى موقع آخر حتى يعثروا على ما يناسبهم.
سر اللحم المعلق وموقع قلعة الجبل
وتنقل كتب المؤرخين، وعلى رأسهم تقي الدين المقريزي، واحدة من أغرب هذه القصص، والتي دارت أحداثها في القاهرة عندما أراد السلطان صلاح الدين الأيوبي اختيار موقع قلعة الجبل، فقد لجأ إلى هذه الطريقة المبتكرة، حيث علّق لحما في أحد أجزاء المدينة، فتغيرت رائحته بعد يوم وليلة، فيما علّق قطعة أخرى في موضع مرتفع على تلة مشرفة، فبقيت صالحة ليومين وليلتين دون أن تفسد.
أثار ذلك المكان انتباه السلطان، وشعر أن الطبيعة أعطته إشارة واضحة لاختيار هذا التل كموقع استراتيجي لبناء القلعة، فأمر مباشرة ببدء العمل في هذا الموقع الواعد، وأسند مهمة الإشراف إلى الأمير بهاء الدين قراقوش الأسدي، أحد رجاله المخلصين الذين عُرفوا بالحزم والتنظيم، فبدأت أعمال البناء في عام 572 هجريا، ضمن مشروع طموح كان يهدف لإحاطة القلعة والقاهرة ومصر كلها بسور حصين يصد الغزاة ويؤمن البلاد.
لكن القدر تدخل في منتصف الطريق، فرحل السلطان صلاح الدين قبل أن يكتمل المشروع الكبير، فتوقفت أعمال التحصين والبناء لسنوات، إلى أن تسلم الملك الكامل محمد بن العادل أبي بكر بن أيوب مسؤولية الحكم، فقرر استئناف البناء وإتمام ما بدأه عمه، فأنجز بناء القلعة عام 604 هجريا، وأضاف إليها الدسر اللحم المعلق وموقع قلعة الجبل.. كيف قرأ صلاح الدين إشارات الطبيعة قبل بناء الحصن العظيميوان السلطاني، لتصبح مركزا للحكم والإدارة.
ومنذ ذلك الوقت، تحولت القلعة إلى قلب نابض لمملكة مصر، ومقرًا للسلطة لقرون طويلة، حتى عهد المؤرخ المقريزي الذي وثق هذه التفاصيل، فبقيت القلعة شاهدة على عبقرية قرار صلاح الدين، الذي لم يعتمد على الحدس وحده، بل قرأ مؤشرات الطبيعة واستخدم أدوات بسيطة لكنه استخرج منها قرارات عظيمة، جعلت من قلعة الجبل رمزا للقوة والرؤية المستقبلية.



