علاء عبدالله يكتب: مؤامرة في الوقت بدل الضائع
كثير من كتب ووثق عن ثورة 30 يونيو ممن عاشوها أو عاشوا مسببات الوصول إليها، لكن قليلين من دونوا أحداثها باليوم والساعات وبالدقائق، وفي أحداث مرتبة وموقوتة باليوم والشهر والسنة، خاصة عن العلاقات المصرية الأمريكية في فترة حرجة من أصعب فتراتها، حافلة بالشكوك في القرارات والارتياب في النوايا، وبالتحديد كشف محطات رئيسية في مسار تلك العلاقات، بدءاً من الأسابيع الفاصلة التي سبقت قيام ثورة الثلاثين من يونيو عام 2013، ومروراً بالأيام المفصلية التي أعقبت انفجار الثورة وتوجت ببيان الثالث من يوليو من نفس العام، ثم الشهور الأربعين التالية التي أعادت في نهايتها لتلك العلاقات زخمها واستردت لها عافيتها.
الزميل الكاتب الصحفي الراحل ياسر رزق، من أكثر مصداقية ومنطقية فيما كتب عن تلك الفترة العصيبة بحكم قربه من الأحداث وقتها، لكن أكثر ما شدني في سرده للأحداث تلك اللهفة الأمريكية والاندفاع الغريب في محاولة لإنقاذ رئيس الإخوان وحكم جماعته حتى وصل الأمر لـ «الاستماتة» في طلب ذلك، إلى استجداء والرجاء بمنحهم بضعة ساعات، تحت مزاعم مزيفة باستقرار البلاد، ولكن ولأن السياسة الأمريكية لا تعرف إلا مصلحتها ولا يعيش لها حبيب دائم أو عدو دائم، لم تكن مصلحة الشعب المصري ما يهمها، بل كان تلهث لحماية جماعة هي بالنسبة لها العصا السحرية لتنفيذ مخططها الأوسع في شرق أوسط يهيج فوق بحور متلاطمة من الخلافات والصراعات والحروب والاقتتال والتناحر السياسي والميداني، يعزو ذلك لسنوات طويلة من التعاون المثمر بين الإخوان والقوى الخارجية، والاستعداد الدائم لتلك الجماعة لتنفيذ ما يطلب منها دون حتى أن تفكر أو تعمل حسابًا للعواقب.
في رأيي المتواضع، إن أكثر الأسباب التي عجلت بسقوط الإخوان وتضمن عدم قيامهم مرة أخرى، هي حالة «الغباء المفرط» التي تعيشها، فجماعة يصدق أتباعها أن جبريل نزل في رابعة العدوية موحيا لمرسي أن يصلي بالناس وتهلل لتلك المعجزة بالطبع هي لا تملك أجندة سياسية للتعامل مع الملفات الكبرى أو أن يكون لديها القدرة لتدير حيًا أو شارعًا في حارة ضيقة، ويتضح أيضا حجم الغباء السياسي والعقلي والإعاقة الذهنية لدى أنصار الإخوان وقياداتها وكأنه «مرض معد» هو عدم قراءتها للأحداث في مصر قبل 30 يونيو، والأسباب التي أدت إليها وعدم قدرتهم على فهم طبيعة الشعب المصري وحقيقة معدنه وتعاملهم معه باستخفاف، وعدم إدراكهم أن المصريين يرفضون أن يكونوا تبعًا أو ذيولاً، كما يكرهون أنظمة الخيانة والعمالة.. كل ذلك عجّل بنهاية حكم الجماعة وسقوط كل أقنعتها، التي أظهرتها كملاك منقذ للمصريين من الفقر والظلم تحت شعار الإسلام هو الحل، وهو نفس الشعار الذي خدعت به الجماعة الشعب على مدار 80 عامًا، قبل أن تنجلي الحقيقة.
بالعودة للجهود الأمريكية لإنقاذ الإخوان من السقوط بعد اشتعال الغضب الشعبي وحالة الاحتقان التي كانت تسود البلاد منذ توقيع مرسي على إعلانه الدستوري في شهر نوفمبر 2012، هرع جون كيري إلى القاهرة، في الطابق الثاني من مبنى الأمانة العامة لوزارة الدفاع، اجتمع السيسي في مكتبه مع كيري، وتطرق الاجتماع في جانب كبير منه إلى الأزمة السياسية في مصر، في ظل التصريحات التي أعلنها السيسي قبلها بأسابيع في الكلية الحربية عن مخاطر الصراع السياسي الذي يهدد بانهيار الدولة، ثم تصريحات الفريق صدقي صبحي رئيس الأركان أثناء زيارته لأبو ظبي في منتصف فبراير، والتي قال فيها إن القوات المسلحة عينها على ما يدور في البلاد وإنها رهن إرادة الشعب إذا ما احتاجها.
بعد انتهاء المحادثات، اصطحب السيسي ضيفه الأمريكي لوداعه عند مدخل بهو مبنى الأمانة العامة، وأثناء نزول السيسي وكيري على السلم الذي ازدانت جوانبه بصور زيتية لنظار الجهادية ووزراء الحربية والدفاع في العصر الحديث، قال وزير الخارجية الأمريكي لوزير الدفاع المصري: «كيف ترى ما ستؤول إليه الأمور؟».
رد السيسي قائلا: «game is over».. أي أن اللعبة قد انتهت..! كان السيسي يقصد أن أوان النصائح قد فات.
لم يكن كيري يعلم أن السيسي قال شيئًا بهذا المعنى لمرسي على نحو أشد صراحة وصرامة، قبلها بنحو شهر واحد، حينما قال له بالحرف: «إن مشروعكم قد انتهى، وإن حجم الصد في نفوس المصريين تجاهكم لم يستطع أي نظام سابق أن يبلغه في سنوات، بينما أنتم أوصلتم إليه الشعب في ثمانية أشهر فقط»..!
فيما سبق ومما وصفه ياسر رزق يتضح الاختلاف الجوهري في هدف ورؤية وأحلام الأطراف الثلاثة( مصر وشعبها وجيشها وحضارتها ويمثلها السيسي، والقوى الخارجية التي ترى في وجود جماعة ذراعًا لها «كيري»، وأخيرًا جماعة الإخوان وتمثل نفسها ومرشدها فقط)، ولينتصر الشعب في النهاية وهو درس آخر في التاريخ لم يفهمه أنصار جماعة الإخوان المحتلين عقليًا بشهادة الأحداث وسلوكهم الموتور



