حوارات و تقارير

كيف دخل الأجانب مصر ولماذا ازداد نفوذهم مع محمد علي؟

بدأ قدوم الأجانب إلى مصر في أواخر القرن السابع عشر، وكان الهدف الأساسي من قدومهم هو العمل في الدوائر الحكومية أو المشاركة في تنفيذ مشاريع اقتصادية ومالية، فكانت مصر حينها تفتح أبوابها لاتصالات مبكرة مع الغرب والنهضة الأوروبية، خاصة في عهد محمد علي باشا.

كيف دخل الأجانب مصر

لم يكن هذا هو الظهور الأول للأجانب في مصر، فقد شهدت البلاد توافدًا كبيرًا لهم في فترات سابقة، بحكم موقعها الجغرافي وطرقها الممتدة وتأثرها بالحملات الصليبية والهجرات المتعددة، فكانت هناك تجارة نشطة وطرق برية وبحرية تربطها بالعالم الخارجي، ولكن في العصور المتأخرة، وبخاصة في نهاية القرن الثامن عشر، أصبح للأجانب وجود أكثر تنظيمًا واستقرارًا، فقد شكلوا جاليات لها طابع خاص، وأقام بعضهم في مصر بصورة دائمة، وكانوا يمثلون وكلاء للشركات الأوروبية أو أصحاب مصالح اقتصادية.

وفي هذا الصدد قال الدكتور محمود محمد سليمان استاذ متفرغ بقسم التاريخ جامعة الزقازيق، أن في عهد محمد علي باشا، زادت الحاجة للأجانب، خاصة بعد أن أدرك أهمية الاستعانة بهم في تنظيم شؤون الدولة وتطوير الإدارة، خصوصًا في ظل فقر الكفاءات المحلية، فقد اعتمد عليهم في أعمال فنية وهندسية، بل وجعلهم يديرون عددًا من المصالح الحيوية، وكانت لهم امتيازات واضحة، وشجعهم على الإقامة وفتح المجال لهم للعمل والاستثمار.

وقد وصل الأمر إلى أن بعض الأجانب حصلوا على امتيازات تجارية، كما أصبح لهم الحق في إدارة بعض المشروعات الكبرى،  ومع دخول الحملة الفرنسية مصر سنة 1798، وتوسع الاحتلال الفرنسي لما يقارب ثلاث سنوات، أصبح للأجانب تأثير أقوى في البلاد، إذ كان الجنود الفرنسيون أنفسهم يمثلون أول اتصال مباشر للأوروبيين بالشعب المصري.

كما أضاف لدكتور محمود محمد سليمان، أن هؤلاء الجنود تميزوا بمهارات علمية وتقنية، وكان بعضهم من المهندسين والمتخصصين، مما دفعهم إلى نشر ثقافتهم ونقل أفكارهم العلمية إلى المصريين، وقد ساعدت بعثة نابليون العلمية في توثيق معالم مصر ووصفها، وكانت هذه الحملة سببًا في اهتمام العالم الغربي بمصر، مما جعلها وجهة مفضلة للعديد من الأجانب فيما بعد.

مرحلة انفتاح مصر على الأجانب

ومع بداية القرن التاسع عشر، خاصة في عهد محمد علي، بدأت مصر تنفتح أكثر على الأجانب، وفتحت أبوابها لهم، فاستعان بهم محمد علي في تطوير مؤسسات الدولة، وكان يعتمد على خبراتهم في الزراعة والصناعة والتعليم والصحة، كما أنه كان يُفضّل الأجانب في التعيين بمناصب مهمة، لأنه كان يرى فيهم الكفاءة والانضباط.

كما أن محمد علي قد منح الأجانب أراضي زراعية ومشروعات، وسمح لهم بتأسيس شركات، وفتح المجال أمام تجارتهم، وأعطاهم امتيازات عديدة لتشجيعهم على الاستقرار، مما جعلهم عنصرًا مؤثرًا في الاقتصاد المصري.

وقد تزايد هذا التأثير حتى أصبحت بعض المدن المصرية تضم جاليات أوروبية لها طابعها الخاص، مثل الإيطاليين والفرنسيين واليونانيين، وظهرت في تلك الفترة ملامح الانقسام الطبقي والاقتصادي، إذ كان الأجانب في الغالب أكثر ثراءً من السكان المحليين، مما ساهم في ظهور فروقات اجتماعية واضحة.

وفي نهاية الأمر، فإن انفتاح محمد علي على الأجانب لم يكن مجرد خيار، بل كان ضرورة فرضها الواقع السياسي والاقتصادي، في ظل سعيه لبناء دولة حديثة، ورغم إيجابيات هذه الخطوة في نهضة مصر، إلا أنها كانت بداية لنفوذ أجنبي ازداد في العصور التالية.

ليس من شك في أن مصر في عهد محمد علي قد أفادت فائدة كبيرة من جموع الأجانب، واستفادتهم في شتى الوظائف، وأسندت إليهم مختلف الأعمال، وقد اتضح أن هؤلاء الأجانب ما كانوا يستطيعون القدوم إلى مصر بمفردهم بهذه الكثرة، وما كانت تفتح أمامهم أبواب الاستقبال على مصاريعها، لو لم يكن من بين أبناء البلاد أنفسهم اتصالات وثيقة مع العالم الإسلامي والبلاد الأوروبية والمدنية والحضارة، ولذلك كان محمد علي يهدف من وراء زيادة عدد الأجانب إلى مصر بصورة واضحة، واستعان بكثير من الخبراء لدفع البلاد نحو التقدم، ولكي يعاونوه في أعماله ويقوموا بتدريب المصريين ليتسلموا أمور الصناعة والزراعة والتجارة.

عدد الأجانب المقيمين في مصر سنة 1842

وقد بلغ عدد الأجانب المقيمين في مصر سنة 1842 نحو 40 ألفًا، منهم 20 ألف إيطالي، و10 آلاف مالطي، و8 آلاف فرنسي، و2 ألف نمساوي، و500 يوناني، و300 روسي، و100 إسباني، و100 من جنسيات مختلفة، أي أن سنة 1847 كان عدد الأجانب لا يقل عن 90 ألفًا في مدينة القاهرة وحدها.

ولم تتغير الحالة على هذا الوضع فيما تلا تولي عباس الأول الحكم، حتى جاء الخديوي إسماعيل الذي شهدت مصر في عهده محمد علي وأعقابه إلى بلادهم، إذ تغيرت بشكل مؤقت تدفق الأجانب على مصر.

وفي عصر إسماعيل، بدأ يتغير الحال، وعظم قدوم الأجانب إلى مصر من جميع أنحاء أوروبا، وكان تنفيذ مشروع قناة السويس في عهد سعيد ثم في عهد إسماعيل سببًا كبيرًا في ازدياد عدد الأجانب إلى مصر، فوفقًا لتقديرات ذلك الوقت، بلغ عددهم في عام 1878 نحو 118 ألف نسمة، توزعوا على النحو التالي: 40 ألف يوناني، 20 ألف إيطالي، 15 ألف فرنسي، 13 ألف نمساوي، 10 آلاف إنجليزي، 7 آلاف بلجيكي، 5 آلاف سويسري، و4 آلاف ألماني، و3 آلاف روسي، و2 ألف هولندي، و1.5 ألف إسباني، و1.1 ألف سويدي، و600 دنماركي، و200 أمريكي، و50 برتغاليًا.

وعلى هذا يمكن القول إن ظهور الأجانب إلى مصر بدأت تزداد في عهد محمد علي، ثم تسارعت بشكل أكبر في القرن المصري نتيجة ذلك على نحو كبير، مما جعل الوجود الأجنبي في مصر جزءًا أساسيًا في الحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى