حوارات و تقارير

قصة «وادي الحاج» أول دروب المصريين إلى بيت الله الحرام

«صوت القبائل» تتقصى تاريخ درب الحج القديم في سيناء

محمود حسن الشوربجي

مازالت شبه جزيرة سيناء المصرية تُشكل معبرا هاما للزوار إلى البلدان المجاورة وكذلك للحجاج المصريين وغير المصريين القادمين من الغرب من خلال هذه البقعة المقدسة، ومازال خليج العقبة يشرف على عبور الحجيج في الوقت الحالي حتى وبعد تطور وسائل النقل والمواصلات عن ذي قبل.. «صوت القبائل» تقصت دروب الحجيج القديمة.

 

وادي الحاج

» ينشأ من مرتفعات جبل الحيطان أحد فروع جبال الراحة في وسط شبه الجزيرة، ويسير متعرجاً نحو الجنوب الغربي وينتهي في الترعة المسماة بترعة السويس وأحياناً يغور في الرمال قبل وصوله الترعة حتى أنه يُكَوِّن بركة واسعة من المياه في ذلك المكان تدوم أياما ثم تجف ، قيل سُمي الوادي بذلك لأنه أول وادٍ يلاقيهِ الحاج المصري في طريقه من السويس ويسير فيه من مصبهِ إلى رأسهِ عند “شَرَفة الحاج”، ويعرف هذا الوادي في أعلاه “بوادي الحيطان” لأنهُ في أعلاه، من “شَرَفة الحاج” إلى “مفرق وادي الحاج” مسيرة ساعة ونصف ساعة ، يجري بين جبلين قائمين عن جانبيهِ كحائطين عظيمين.

 

عبرت من خلال هذا الطريق في عام 2009م مبتدئاً من مدينة السويس عند نفق “الشهيد أحمد حمدي” في رحلة قصيرة من مدينة القنطرة شرق إلى السويس بمحاذاة قناة السويس ماراً بأراضي بدو العيايدة حتى وصلت إلى “المفارق” عندها استراحة مخصصة للمسافرين شرق السويس في شبه جزيرة سيناء ، قيل عُرفت هذه المفارق قديماً بـ “مفرق وادي الحاج” حيث عندها تفترق الطرق، فطريق يذهب مع وادي الحاج غرباً ويسير في بطن الوادي بين الجبال والكثبان الرملية القريبة من قناة السويس، قيل كان هذا الطريق هو درب الحج المصري القديم في القرن التاسع عشر وما قبله ، وطريق ينحرف يساراً متخللا عدة أودية حتى يمر بوادي الراحة إلى أن يصل شط السويس وهو طريق مختصر كان يمر من خلاله الحجاج المصريون وخاصة المترجلين منهم.

 

أما “شَرَفَة الحاج” فكانت مكاناً شهيراً معروفاً حينما كان الدرب المصري عامراً بمرور الحجاج المصريين من خلاله، وذكرها نعوم بك شقير في كتابه “تاريخ سيناء” أعلى نقطة في وادي الحيطان فإذا انتهى الحاج من وادي الحيطان إلى هذه النقطة انكشفت لهُ البلاد من الشرق وأشرف على بلاد التيه العظيم ومن ذلك اسمها .

 

قرية وادي الحاج

وهي قرية صغيرة في وادي الحاج سالف الذكر يسكنها فرعاً من فروع قبيلة الترابين المعروفة ، والقرية بها نحو 40 بيتاً مبنية من الطوب الأسمنتي وغالبها أرضية البناء وفي القرية مدرسة تدعى “مدرسة وادي الحاج الابتدائية والإعدادية” والمدينة تبعد عن مدينة العريش بنحو 280 كم تقريباً.

 

لوحة سلطان المماليك 

 

تقع لوحة سلطان المماليك قنصوه الغوري في طريق المسافر من مدينة نخل شمالاً إلى منطقة “رأس النقب” جنوباً منقوشة على تلة صخرية طباشيرية تدعى “تلة البغلة” وعرفت أيضاً بـ “تبة البغلة” ، وعرفت قديماً بـ “عراقيب البغلة” ، يبلغ ارتفاعها نحو أربعة أمتار محاطة بحواجز حديدية لحمايتها ، وهي على مشارف منحدر عميق واسع ، وعندها تنكشف البلاد والمناطق تجاه الجنوب للعابرين من شمالها لاستكمال طريق قوافلهم إلى مدينة العقبة ومن ثم إلى الأراضي الحجازية .

 

ولعل من أهم الآثار الإسلامية التي تركها سلاطين مصر في درب الحجاج المصريين والعرب من بلاد المغرب إلى البلاد الحجازية هي : “النواطير” وهي أول درب الحج المصري القديم شرق مدينة السويس المعروفة وهي المحطة الأولى في سيناء ، وقد صنعوا فيها ثلاثة عُمد من الحجر الصخري عالية تبعد كل واحدة عن الأخرى مسافة 5 كم تقريباً ، والغرض منها هداية قوافل الحج المصري إلى بداية الدرب الصحيح، وعرفت قديماً بـ “عُمدان النواطير” وليس لها أثر الآن بعد توقف هذا الدرب في نهاية القرن الثامن عشر، واستمر الطريق عامراً بمرور حجاج مصر وأفريقيا حتى عام 1885م حين اتخذت موانئ البحر الأحمر طريقاً بحرياً إلى جدة.

 

نقب دَبّة البغلة

 

وهي اللوحة التأسيسية التي أنشأها سلطان المماليك قنصوه الغوري، والتي تبعد عن النواطير بنحو 170 كم تقريباً بين ممرات صغيرة بين جبال عالية ، ولعلها المرحلة الثانية التي تعد نقطة اتصال بين المحطة الأولى – النواطير- والمحطة الثالثة نقب العقبة أو مدينة العقبة ومنها إلى البلاد الحجازية، قيل كان هناك ثلاث صخرات طباشيرية منقوش عليها كتابات يرجع تاريخها إلى عهد المماليك وقد عبثت الأيام والرياح والسكان بصخرتين ، ولم يتبقَ إلا صخرة واحدة منقوش عليها الآتي :

 

“بسم الله الرحمن الرحيم.. إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما وينصرك الله نصرا عزيزا” ..

رسم بقطع هذا الجبل المسمى “عراقيب البغلة” ومهّد طرق المسلمين الحجاج لبيت الله تعالى .. وعمار مكة المكرمة والمدينة الشريفة والمناهل عجرود ونخل وقطع الجبل عقبة ايلا وعمار القلعة والآبار وقلعة الأزلم والموشحة ومغارب ونبط الفساقي.. وطرق الحاج الشريفة مولانا المقام الشريف والإمام الأعظم سلطان الإسلام والمسلمين .. الملك الأشرف أبو النصر “قنصوه الغوري” نصرهُ الله نصراً عزيزاً ..

 

وأما الصخرة الثانية فقد نُقش عليها بأحرف كبيرة : ” لمولانا السلطان الملك الأشرف أبو النصر قنصوه الغوري عز نصرهُ”.

وتعد هذه اللوحة من أهم الآثار الإسلامية في وسط شبه جزيرة سيناء ولعلها من المعالم الشهيرة وأحد المزارات السياحية للعابرين من بلاد الشمال والغرب إلى الجنوب ، وقد أنشأت الهيئة العامة للآثار المصرية حائطا حديديا لحمايته من الكتابات.

عبرت من هذا الممر الضيق في عام 2009 م والظاهر أنها كانت بمثابة بوابة لعبور الحجاج القادمين من المغرب العربي إلى البلاد الحجازية ، والشاهد لهذه التلة من مسافة بعيدة يرى أنها من أصل جبل صخري طباشيري واحد وقد شق إلى اثنين، ويخترقها طريق واحد وهو الطريق الواصل بين “نخل ورأس النقب” ، ولم يسلم الأثر أيضاً من كتابات العابرين في السنوات الماضية من أسماء وتواريخ وتوقيعات تحمل أسماء أصحابها، الأمر الذي تسبب في إضاعة جمال ورونق الأثر الإسلامي القديم .

وبحسب المصادر القديمة فإن هذا الدرب لم يقتصر فقط على الحجيج وإنما اشتهر أيضاً بالقوافل التجارية المتبادلة بين مصر وبلاد الشرق في ذلك الوقت ، كان الدرب نقطة اتصال ومركز معلومات للأخبار التي تنقلها القوافل من الشرق إلى الغرب وكذلك العكس .

 

وفي الوقت الحالي اختلفت دروب العبور من أماكن مختلفة وظل هذا المكان هو نقطة العبور من شمال شبه الجزيرة إلى جنوبها وكذلك من غرب شبه الجزيرة إلى شرقها وجنوبها، ولا يوجد طريق آخر للعبور سوى ممرات ضيقة بين الجبال العالية .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى