عادات و تقاليد

التحكيم القبلي.. محكمة العرف التي تحافظ على تماسك المجتمعات البدوية

أسماء صبحي– المجتمعات القبلية الممتدة على أطراف الصحراء العربية. حيث تتباعد المراكز الحضرية وتندر مؤسسات القضاء الرسمية. تشكل عادة التحكيم القبلي أو ما يعرف بـ”القضاء العرفي” صمام أمان لحل النزاعات وحفظ السلم الاجتماعي. وهذه العادة ليست مجرد وسيلة لفض الخصومات، بل هي نظام اجتماعي متكامل يختزل خبرة الأجيال في الحكم بين الناس. ويعكس منظومة قيم تقوم على العدالة، الصلح، وصون كرامة الأفراد.

جذور التحكيم القبلي

يمتد تاريخ التحكيم إلى آلاف السنين حين كانت القبائل تعتمد على حكمائها وكبارها للفصل في القضايا والنزاعات. نظرًا لغياب سلطة مركزية أو جهاز قضائي رسمي في مناطقهم. وكان “الشيخ” أو “الحكم” يجمع بين الحكمة، والخبرة، والسمعة الطيبة، مما يمنحه شرعية القبول بين الخصوم.

ومع تطور المجتمعات ودخول أنظمة القانون المدني، ظل القضاء العرفي حاضرًا خاصة في المناطق الريفية والصحراوية. حيث لا يزال ينظر إليه كأداة أسرع وأكثر توافقًا مع أعراف الناس.

خطوات القضاء العرفي

عادةً ما تبدأ العملية حين يتقدم طرفا النزاع بطلب إلى شيخ القبيلة أو أحد القضاة العرفيين. وبعد موافقة الطرفين، يعقد المجلس الذي يضم عددًا من الوجهاء وكبار السن لسماع الشهادات واستعراض الأدلة.

ويتميز القضاء العرفي بأنه لا يعتمد بالضرورة على الوثائق الرسمية. بل على الشهادة الشفهية، وسمعة الشهود، وأحيانًا “القسم” أمام الحاضرين.

بعد المداولات، يصدر الحكم الذي قد يتضمن تعويضًا ماليًا، أو اعتذارًا علنيًا. أو إجراءات أخرى مثل إعادة الحقوق أو إصلاح الضرر.

دور القيم في نجاح التحكيم

أحد أسباب استمرارية هذه العادة هو اعتمادها على منظومة أخلاقية تحترم الكلمة والالتزام. فحين يقبل طرفا النزاع التحكيم يصبح حكم الشيخ أو المجلس مُلزِمًا أخلاقيًا واجتماعيًا ويعتبر التراجع عن تنفيذه عارًا على صاحبه.

كما أن القضاء العرفي يركز على الإصلاح أكثر من العقاب، إذ يهدف في كثير من الأحيان إلى إعادة العلاقات بين الخصوم إلى طبيعتها. خصوصًا إذا كانوا من نفس العشيرة أو تجمعهم روابط مصاهرة.

أنواع القضايا التي ينظر فيها القضاء العرفي

لا يقتصر دور التحكيم القبلي على نزاعات الأراضي أو الموارد المائية. بل يمتد إلى قضايا الزواج والطلاق، والخلافات المالية، وحتى قضايا القتل. حيث تستخدم مفاهيم مثل “الدية” و”الصلح” لتسوية الأمور دون إراقة دماء جديدة.

ويقول الدكتور عبد الله العتيبي، الباحث في التاريخ الاجتماعي للجزيرة العربية، إن التحكيم القبلي يمثل ذاكرة المجتمع البدوية وقانونها الحي. وعلى الرغم من أن القانون المدني حل محل القضاء العرفي في كثير من المناطق. إلا أن هذا النظام التقليدي أثبت فعاليته في تحقيق العدالة السريعة والحد من النزاعات طويلة الأمد خاصة في البيئات التي يغيب عنها الحضور القوي للدولة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى