كتابنا

اثنان وخمسون عاما على رحيل جمال عبد الناصر

اثنان وخمسون عاما على رحيل جمال عبد الناصر

بقلم: زاهر بن حارث المحروقي.

في الثامن والعشرين من سبتمبر عام 1970، رحل الزعيم جمال عبد الناصر رحلته الأخيرة. ورغم مرور اثنتين وخمسين سنة على ذلك الرحيل وما تعرّض له من هجوم من الداخل والخارج، بعد أن فتح الرئيس السادات الباب على مصراعيه للهجوم عليه، إلا أنه مازال موجودًا في ضمائر الشعوب العربية؛ لذا نجد أنّ الزعيم الراحل يسيطر على “التريند” المصري دائمًا في ذكرى رحيله، كما حدث في الذكرى الخمسين لوفاته، إذ حرص عددٌ كبيرٌ من رواد مواقع التواصل المختلفة على رثائه، دلالة على الأثر الطيب الذي تركه، وعلى شعبيته الكبيرة في نفوس الشعب المصري. ولم تقتصر تلك الشعبية على الشعب المصري أو العربي فقط، بل وصلت إلى دول العالم المختلفة، حيث قاد عبد الناصر حركات التحرر في مختلف دول العالم، وكان نموذجًا يحتذى به في الاستقلال والإخلاص للوطن.

 

كتب كثيرون عن عبد الناصر وتجربته، وصدرت آلاف الكتب وملايين المقالات في قارات الأرض ضد أو مع التجربة الناصرية، وقد استوقفني مقال كتبه الصحفي أحمد بهاء الدين في مجلة “روز اليوسف” المصرية في يناير عام 1970، تحت عنوان “ماذا كان عبد الناصر.. وماذا سنكون؟!”، أي قبل شهور من رحيل عبد الناصر، وما ميّز المقال أنه حمل نبوءة عن مستقبل مصر والمنطقة في حال غياب عبد الناصر والانقلاب على سياساته.

 

وعن الجزء الأول من العنوان عن ماذا كان عبد الناصر، يقول بهاء الدين “من النادر جدًا في عالم السياسة أن يحدث مثل هذا التركيز المطلق على شخص قائد، كالتركيز الذي هو حادث اليوم على شخص عبد الناصر.. الشرق الأوسط منطقة هامة وحساسة لا يمكن أن تغفلها أيّ قوة كبرى من حسابها. وكلّ قوة من القوى تحمل في مخيلتها “خريطة” تتمناها لهذا الشرق الأوسط، وتعمل على تحقيقها. وعبد الناصر يقف كحجر العثرة في طريق كلّ من يرسم خريطة من هذا النوع للمنطقة. هكذا كان ولا يزال.. القوى الدولية المتصارعة والكتل السياسية هنا وهناك.. فرنسا يومًا وانجلترا يومًا آخر وأمريكا يومًا ثالثًا وإسرائيل كلّ يوم ومتعلقة كلّ يوم بذراع من يرسم خريطة للمنطقة تناسب هواه وهواها.. والمشكلة هي زعامة عبد الناصر”، ويرى بهاء الدين أنّ معركة عبد الناصر هي معركة من يريد أن تكون “الإرادة” في المنطقة العربية إرادةً عربية، والقول في مستقبل العرب للعرب ضد الذين يريدون أن تكون الخيوط المحرّكة في المنطقة مربوطة في النهاية إلى أيد غير عربية وإرادات غير عربية.. ومن هنا استمد عبد الناصر زعامته وشعبيته، وهذا هو مغزى الارتباط العميق بينه وبين الجماهير العربية.

 

لقد اعترض عبد الناصر طريق جميع الغرباء عن المنطقة، ورغم الهزائم التي مُني بها في الميدان العسكري، إلا أنّ “الإرادة” العربية لم تُهزم، لذا رأينا أنّ الكيان الإسرائيلي كان متقوقعًا على نفسه، معزولًا عن محيطه، ولهذا كانت إسرائيل – كما كتب بهاء الدين – “تفكر والذين وراءها والذين هم معها بقلوبهم، أنهم لو كسروا هذه القيادة ونفوذها فإنهم يتوقعون أن تتشتت المنطقة، وأن تزيغ الأبصار فيها زمنًا طويلًا.. كلٌ يتلفت حوله باحثًا عن ملاذ ومَخرج وعن مظلة واقية.. ومن يحاول الصمود بمفرده فسيكون ضعيفًا معزولًا سرعان ما يحاط به”.

 

نقول متأسفين إنّ نبوءة أحمد بهاء الدين قد تحقّقت، فلم يعد هناك شيءٌ اسمه “أمة عربية”؛ إذ ظهرت التكتلات في أكثر من بقعة في الوطن العربي، وكلّها تخدم مصالح العدو؛ وانقسم الأعراب إلى قبائل شتى، كلّ قبيلة تحارب الأخرى، وظهرت عصبيات جاهلية تريد أن تنال من العروبة، فانطفأت جذوتها، وأصبحت إسرائيل تسرح وتمرح في الوطن العربي شرقًا وغربًا، شمالًا وجنوبًا، وأصبح ما كان عيبًا هو الصواب، وما كان حرامًا أصبح حلالا؛ فتسابقت بعض الدول العربية إلى عدوّها التاريخي ظانةً أنه هو المنقذ. وكان من نتائج انطفاء جذوة العروبة، ظهور بداية مشروع تشتيت الوطن العربي وتقسيمه، بعد أن تمّ تدمير الدول الأساسية مثل العراق وسوريا وليبيا وإشغال مصر بقضايا الداخل، فيما كلّ المؤشرات تدلّ على أنّ المخطط ضد الوطن العربي يُنفّذ بهدوء وعلى مراحل، وفي النهاية ما أصاب العراق والسودان وليبيا وسوريا هو مرشح أن يصيب الكلّ دون استثناء، ومن يعتقد غير ذلك فهو واهم.

 

يقول أحمد بهاء الدين: “أعرف ساسة ورسميين وأفرادًا عاديين في أقطار عربية شتى، ليسوا من الملتقين مع أفكار عبد الناصر ولم يكونوا دائمًا من الواقفين معه، ولكنهم حتى هم في ساعات الظلام والخطر والغموض يجدون أنّ وجود زعامة عبد الناصر في المنطقة تعني لهم عدم القفز إلى المجهول”، ويذكر بهاء الدين أنّ أحد المسؤولين في ركن قصي صغير من أركان العالم العربي قال له “إنّ الأجنبي حين يتعامل معنا يحسب الآن حساب أننا من الأمة العربية، وهذا شيء أوجده عبد الناصر”.

 

لم يتعرّض زعيمٌ مثلما تعرّض عبد الناصر من الهجوم عليه حيًا وميتًا، وتولت بعض الأنظمة العربية ذلك الهجوم، وموّلت الصحف واشترت الذمم لأجل طمس تجربة عبد الناصر لما مثله من خطورة على تلك الأنظمة، ولم تكن تلك الحملات بعيدة عن المخابرات الأمريكية والغربية، لذا كان الكاتب أحمد بهاء الدين ممن انتبهوا لتلك الحملات، إذ كتب مقالا بجريدة “الأهرام” المصرية يوم 28 سبتمبر1987، في ذكرى مرور سبعة عشر عامًا على وفاة الرئيس عبد الناصر، تحت عنوان “موتوا بغيظكم” قال فيه: “سنذهب جميعًا إلى القبور، وسيأخذ كلّ رجل من رجال تاريخنا حجمه الطبيعي، بعد أن تختفي أجيالنا التي تحرّكها الأهواء والأحقاد والميول المتباينة في شتى الجهات، وسيبقى اسم جمال عبد الناصر علامة في تاريخ مصر والأمة العربية وثلاث قارات من قارات العالم، علامة لم يسبقه إليها عربي مصري ولا عربي منذ قرون. وستبقى ثورة 23 يوليو بخيرها وشرها – ككل ثورة – علامة ناصعة في تاريخ كلّ المستضعفين في الأرض شعوبًا ودولًا”. وعن حملة التشويه ضد عبد الناصر يقول بهاء الدين: “قولوا ألف مرة إنّ عبد الناصر كافرٌ وزنديقٌ، وإنه عسكريٌ زنيم، وإنّ اليهود تولوا تربيته في حيّ السكاكيني صبيًا، وأجروا له غسيل مخ في الفالوجا ضابطًا، وإنّ الأمريكان تسلموه من إسرائيل ليحكم مصر باسمهم. نعم هذا ما ينص عليه التاريخ الذي يُكتب الآن وفي هذه الأيام.. سنذهب جميعًا ويأخذ كلّ واحد حجمه الحقيقي بعد سنة أو مئة سنة”.

 

ماذا ترك عبد الناصر؟ يقول أحمد بهاء الدين: “لم يترك لكم أهرامات ومعابد تبقى بلا بشر، إنما ترك لكم سدًا عاليًا وكهرباء ومصانع كلها (كائنات حية) تحتاج إلى مجهود بشري متواصل، ورعاية تحدد وتوسع، تركها لكم ومات؛ فهو ليس مسؤولًا عن الإهمال والهدم والتسيّب، بل والتدمير المتعمد الذي أوصلنا إلى هذا الحال. ترك مصر في حالة حرب ولكنها تبني مجمع الألومنيوم في نفس الوقت، وديونها أقل من ألف مليون دولار.. والآن وبعد وفاته بهذا العمر من السنين، كم بلغت الديون المصرية؟ لقد أخذ عبد الناصر من القادر وأعطى غير القادر.. الآن يأخذ القادر ملايين الدولارات ويهرب مكرمًا إلى أوروبا”.

 

وبمناسبة الحديث عن نزاهة عبد الناصر، يحار المرء عندما يقرأ لكاتب تناول الذكرى الثانية والخمسين للرحيل، عندما يصوّر تلك النزاهة عيبًا، فهو يؤمن أنّ نزاهة عبد الناصر “حقيقة مؤكدة ثابتة لا جدال أو خلاف حولها ولا شك فيها”، لكنه – كعادته في دس السم في العسل – يقول: “إنّ النزاهة ونظافة اليد في حالة توفرها في القائد أو المسؤول تفقد قيمتها إذا لم تكن مقرونة بالكفاءة والاقتدار والحكمة وحسن التدبير التي تُعتبر مقومات أساسية تتقدّم في أولويتها وأهميتها على النزاهة ونظافة اليد”.

 

في كتابه “حوارات مع السادات” يذكر أحمد بهاء الدين أنّ قمة الحملات ضد عبد الناصر كانت اتهامه بأنه اختلس عشرة ملايين دولار، وتحت ضغط الرأي العام، أمر السادات بتشكيل لجنة لبحث الموضوع، وحين تم التقرير أكد براءة عبد الناصر من هذا الاتهام السخيف الرخيص. ترأس تلك اللجنة د. علي الجريتلي، أحد أنبغ خبراء ووزراء مصر الاقتصاديين، الذي قال لبهاء الدين: “بعد موت عبد الناصر بسنة تقريبًا كنت في مقابلة مع رئيس البنوك السويسرية، وإذا به يقول لي إنّ المخابرات الأمريكية والإسرائيلية قد “أهلكتنا” شهورًا طويلة. حاولوا بأيّ طريقة العثور على أيّ حساب باسم جمال عبد الناصر فلم يجدوا”.

رحل الكاتب أحمد بهاء الدين وفي قلبه غصةٌ على ما آلت إليه حالُ الأمة العربية، وفي قلبه حسرة على الحملة الشرسة التي قادها البعض لتشويه سمعة الزعيم جمال عبد الناصر. ولكن يبقى أن نقول إنّ جمال عبد الناصر كان فردًا واحدًا من أفراد الأمة العربية، تحمّل فوق طاقته، وعرف تمامًا قيمة البلد الذي حكمه، والدور المطلوب من مصر لقيادة هذه الأمة. وهذا الدور لا يمكن أن يقوم به غير مصر، فهذا هو قدرها بحكم التاريخ والجغرافيا، ومهما حاول بعض أن يملؤوا فراغ الدور المصري، فلن يستطيعوا ذلك، لا بالمال ولا بالتطبيع ولا بوسائل الإعلام والفضائيات.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى