حوارات و تقارير

موائد الرحمن.. كرم عربي يجمع الغريب قبل القريب في شهر الصيام

أسماء صبحي– مع اقتراب أذان المغرب في شهر رمضان. تمتد موائد الرحمن الطويلة في الشوارع والساحات العامة بعدد من الدول العربية، يتجمع حولها الصائمون من مختلف الطبقات والجنسيات. هذه العادة المعروفة باسم “موائد الرحمن” ليست مجرد وجبات إفطار مجانية، بل تجسيد حيّ لقيم الكرم والتكافل الاجتماعي التي يزدهر حضورها خلال الشهر الكريم.

تقوم الفكرة على إعداد وجبات إفطار وتقديمها للصائمين، سواء كانوا من محدودي الدخل أو عابري السبيل أو حتى العاملين الذين لا يستطيعون الوصول إلى منازلهم قبل أذان المغرب. وبمرور السنوات، تحولت هذه الموائد إلى أحد أبرز المشاهد الرمضانية في مصر وعدد من الدول العربية.

جذور موائد الرحمن

يرجح مؤرخون أن تقليد موائد الإفطار في القاهرة يعود إلى العصر الفاطمي. حين كان الحكام يحرصون على إقامة موائد ضخمة لإطعام الفقراء طوال شهر رمضان. ومع مرور الزمن، انتقلت الفكرة من البلاط الحاكم إلى عامة الناس. فأصبح رجال الأعمال وأصحاب المحال والأهالي يشاركون في تنظيم هذه الموائد، كلٌّ بحسب قدرته.

وفي دول أخرى مثل السعودية والإمارات العربية المتحدة، تنتشر خيام إفطار الصائم التي تتبناها مؤسسات خيرية وأفراد. بينما تظهر صور مشابهة في المغرب والأردن بأشكال تتناسب مع العادات المحلية.

تنظيم دقيق وروح تطوعية لافتة

وراء كل مائدة تقف فرق من المتطوعين يعملون منذ ساعات الصباح الأولى لتجهيز الطعام وتنظيم المقاعد وتوزيع المياه والعصائر. وفي بعض الأحياء الشعبية، يتشارك سكان الشارع الواحد في تمويل المائدة في مشهد يعكس روح الجماعة والتعاون.

ولا يقتصر الأمر على الطعام فقط، بل تتخلل الأجواء أحيانًا تلاوات قرآنية وأدعية جماعية. مما يمنح المكان طابعًا روحانيًا خاصًا يعزز معنى الشهر الكريم.

ما بين العمل الخيري والتنظيم الرسمي

مع اتساع الظاهرة، دخلت جهات رسمية في بعض الدول لتنظيم موائد الرحمن وضبط معايير السلامة الغذائية. ففي مصر، تشترط الجهات المحلية الحصول على تصاريح لإقامة الموائد في الشوارع لضمان عدم تعطيل المرور والحفاظ على النظافة العامة.

ورغم هذه الإجراءات، لا تزال المبادرات الفردية تمثل العمود الفقري لهذه العادة. حيث يتنافس البعض في تقديم أفضل خدمة ممكنة، ابتغاءً للأجر والثواب.

موائد تتجاوز الإطعام إلى بناء الجسور الإنسانية

أهم ما يميز موائد الرحمن أنها تكسر الحواجز الاجتماعية؛ فالغني والفقير يجلسان جنبًا إلى جنب، والعابر يجد مكانًا بين أهل الحي دون سؤال أو تمييز. إنها لحظة مساواة رمضانية خالصة، تتجلى فيها قيم الرحمة والمشاركة.

ورغم التحديات الاقتصادية التي تمر بها بعض الدول، تظل موائد الرحمن حاضرة بقوة. وكأنها رسالة سنوية تؤكد أن روح التكافل أقوى من الأزمات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى