عادات و تقاليد

عادة المسحراتي.. صوت السحور الذي يحرس ليالي رمضان في العالم العربي

بين أزقة المدن القديمة وحواري القرى الهادئة، لا تزال عادة المسحراتي مستمرة مع اقتراب موعد السحور في شهر رمضان، حاملاً معه روحًا تراثية خاصة تميز ليالي الشهر الكريم. لم تكن هذه العادة العربية العريقة مجرد وسيلة لإيقاظ النائمين، بل تحولت إلى طقس اجتماعي وثقافي يعكس دفء العلاقات بين الناس ويعيد إحياء روح الجماعة في زمن تسوده الفردية.

المسحراتي ليس مجرد شخص يحمل طبلة، بل هو رمز من رموز رمضان في مصر وبلاد الشام وبعض دول الخليج والمغرب العربي. حيث ارتبط اسمه بذكريات الطفولة وأصوات الشوارع التي تنبض بالحياة قبل أذان الفجر.

جذور عادة المسحراتي

تشير كتب التاريخ إلى أن فكرة إيقاظ الناس للسحور تعود إلى العصور الإسلامية المبكرة. حيث كان هناك من يجوب الطرقات مناديًا بموعد السحور. ويذكر أن أول من قام بمهمة مشابهة للمسحراتي في مصر كان في عهد الدولة الفاطمية. ثم تطورت العادة في العصر المملوكي والعثماني لتصبح جزءًا رسميًا من مظاهر الاحتفال بشهر رمضان.

وفي بعض الروايات التاريخية، كان الوالي أو الحاكم يكلف شخصًا معينًا بهذه المهمة تقديرًا لأهميتها في مساعدة الناس على أداء شعيرة الصيام بشكل صحيح، خاصة في زمن لم تكن فيه ساعات أو منبهات.

طقوس خاصة وأناشيد محفوظة

يتميز المسحراتي بطبله الصغير الذي يضرب عليه بإيقاع ثابت، مرددًا عبارات محفوظة مثل:

  • “اصحى يا نايم وحد الدايم”
  • “سحورك يا صايم.. رمضان كريم”

وفي بعض المناطق، ينادي على سكان الحي بأسمائهم في مشهد يعكس قوة الروابط الاجتماعية ومعرفته بأهل منطقته فردًا فردًا. وكانت هذه التفاصيل الصغيرة تمنح الليالي الرمضانية طابعًا حميميًا لا يُنسى.

من الشوارع إلى الشاشة

لم تقتصر شخصية المسحراتي على الواقع الشعبي، بل حضرت بقوة في الأدب والفن العربي. فقد تناولها الشعراء والكتاب في أعمالهم وظهرت في برامج إذاعية وتلفزيونية عديدة خلال شهر رمضان. ومن أبرز من قدم هه الشخصية في عمل فني الشاعر الكبير فؤاد حداد الذي كتب أشعارًا خاصة بهذه الشخصية. وغناها الفنان سيد مكاوي في برنامج إذاعي شهير خلال ستينيات القرن الماضي ليصبح المسحراتي أيقونة رمضانية فنية خالدة.

هل اختفى في العصر الحديث؟

رغم انتشار الهواتف الذكية والمنبهات الإلكترونية، لا تزال بعض الأحياء الشعبية في مصر وبلاد الشام تحافظ على تقليد المسحراتي وإن كان حضوره أقل من الماضي. ففي القرى والمناطق التراثية، ينظر إليه كجزء من الهوية الثقافية التي يجب الحفاظ عليها، بينما أصبح في المدن الكبرى أقرب إلى مظهر احتفالي رمزي.

وأعادت بعض المبادرات الثقافية والسياحية إحياء هذا التقليد خاصة في المناطق التاريخية مثل القاهرة الفاطمية. حيث يتحول هذا الشخص إلى عنصر جذب سياحي يعكس أصالة المكان وروح رمضان القديمة.

عادة تتجاوز الإيقاظ إلى صناعة الألفة

تكمن قيمة المسحراتي الحقيقية في ما يمثله من معانٍ إنسانية. فهو يجسد روح التكافل، ويشعر الصائم أنه ليس وحده في رحلته اليومية مع الصيام. وكان صوته بمثابة رسالة طمأنينة في الليل يذكر الناس ببركة السحور وبجمال المشاركة الجماعية في هذا الشهر الفضيل.

ورغم تغير الأزمنة تبقى صورة المسحراتي راسخة في الوجدان العربي. شاهدة على قدرة العادات الشعبية على الصمود، مهما تطورت وسائل الحياة الحديثة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى