عادة الجرتق: طقس زواج قبلي يجسد الهوية والذاكرة الجماعية في السودان
أسماء صبحي – في المجتمعات التقليدية بشرق أفريقيا ووادي النيل، لا ينظر إلى الزواج بوصفه حدثًا عابرًا، بل باعتباره محطة مفصلية في حياة الفرد والجماعة على حد سواء. ومن بين الطقوس القبلية الراسخة التي ما زالت حاضرة في الوجدان الشعبي السوداني، تبرز عادة الجرتق كواحد من أقدم وأعمق الممارسات المرتبطة بالزواج. حيث يمتزج فيه البعد الاجتماعي بالرمزية الروحية والبعد الثقافي المتوارث عبر الأجيال.
الجرتق ليس مجرد احتفال أو مظهر فولكلوري، بل هو طقس متكامل يُمارس في إطار الزواج التقليدي. وينظر إليه على أنه إعلان رمزي لانتقال العروسين من مرحلة اجتماعية إلى أخرى وسط حضور العائلة والمجتمع. وبمشاركة خاصة من النساء الكبيرات في السن اللواتي يُنظر إليهن باعتبارهن حارسات الذاكرة والعادات.
طقس الحماية والخصوبة
يؤدى الجرتق عادة في منزل العريس أو العروس قبل مراسم الزفاف الكبرى. ويقوم على مجموعة من الرموز التي تهدف – وفق المعتقد الشعبي – إلى جلب البركة والحماية ودفع الحسد، إضافة إلى التمني بالخصوبة وطول العمر والاستقرار الأسري. ويعتقد أن الالتزام بهذا الطقس يمنح الزواج قبولًا اجتماعيًا وروحيًا داخل الجماعة القبلية.
تحيط بالجرتق أجواء احتفالية خاصة، حيث تردد الأغاني الشعبية القديمة وتطلق الزغاريد. ويشارك الحضور في طقس جماعي يعكس الترابط الاجتماعي ويؤكد أن الزواج ليس شأنًا فرديًا بل مسؤولية جماعية.
رمزية الألوان والطقوس
يعد اللون الأحمر عنصرًا أساسيًا في طقس الجرتق، إذ ترتديه العروس في ملابسها وزينتها. بينما يضع العريس وشاحًا أو إكسسوارات تقليدية تحمل اللون نفسه. ويرمز الأحمر في الثقافة الشعبية إلى الحياة والقوة والتجدد، كما ينظر إليه بوصفه لونًا طاردًا للطاقة السلبية.
كما تتضمن المراسم استخدام العطور التقليدية والبخور، التي تنثر في المكان وتستخدم لتعطير العروسين، في دلالة رمزية على الطهارة والبدايات الجديدة. ويرافق ذلك استخدام مواد شعبية متوارثة، لكل منها معنى خاص مرتبط بالحماية والوفرة.
جذور تاريخية عميقة
يرى باحثون في التراث أن طقس الجرتق يمتد بجذوره إلى حضارات قديمة في السودان خاصةً في المناطق النوبية، حيث كانت الطقوس الاحتفالية المصاحبة للزواج والانتقال الاجتماعي تحظى بمكانة مركزية في حياة المجتمعات القديمة. ومع مرور الزمن، انتقل هذا الطقس من سياقه القبلي الضيق إلى نطاق اجتماعي أوسع ليصبح ممارسة ثقافية جامعة لمناطق متعددة داخل السودان.
ورغم اختلاف التفاصيل من منطقة إلى أخرى، فإن الجوهر الرمزي للجرتق ظل ثابتًا. مما يعكس قدرة العادات الشعبية على التكيف مع التحولات الاجتماعية دون فقدان معناها الأساسي.
وتقول الدكتورة سارة عثمان علي، أستاذة الأنثروبولوجيا الاجتماعية، إن الجرتق يمثل نموذجًا واضحًا لكيفية استخدام الرموز في تنظيم الحياة الاجتماعية. موضحة أن طقس الجرتق لا يمكن فصله عن البنية الثقافية للمجتمع السوداني، فهو يحمل معاني الحماية والانتماء والاستمرارية. ويعكس تصور الجماعة لفكرة الزواج باعتباره رباطًا اجتماعيًا قبل أن يكون علاقة فردية.
وأضافت أن استمرار هذا الطقس حتى اليوم دليل على قوة الذاكرة الجمعية وقدرتها على مقاومة الاندثار، رغم تغير الظروف الاجتماعية والاقتصادية.



