تاريخ ومزارات

رحلة «عمر أفندي» في بحار الكاريبي من أجل قصب السكر

أميرة جادو

كان على عمر أفندي، أخصائي صناعة السكر في عهد إبراهيم باشا، أن يخوض رحلة طويلة وشاقة عبر البحار، متجاوزًا العواصف ومخاطر السفر، متجهًا إلى البحر الكاريبي وأمريكا الجنوبية من أجل قصب السكر، في زمن كانت فيه هذه السلعة تعادل البترول في عصرنا الحالي، وتشعل من أجلها ما عرف تاريخيًا بـ«حروب السكر» في أمريكا اللاتينية.

طريق القصب الأحمر

في البحر الكاريبي، ذي المناخ الاستوائي الدافئ على مدار العام، وموسم الأعاصير الممتد من يونيو، سلك عمر أفندي ممرًا بحريًا رئيسيًا شهد في عصور الاستعمار الأوروبي معارك بحرية دامية، هناك، سعى لجلب «القصب الأحمر» والاطلاع بنفسه على صناعة السكر، والاحتكاك بالسكان الأصليين الذين عانوا ويلات الاستعمار الأوروبي بسبب هذه الزراعة.

من أوروبا إلى جزر الأنتيل

بدأ عمر أفندي رحلته بالسفر إلى أوروبا في مسار طويل، قبل أن يتجه بعدها إلى أمريكا الجنوبية، حيث عبر البحر الكاريبي ووصل إلى جزر الأنتيل، ليتعرف عن قرب على تقنيات صناعة السكر، ويختار الأنواع الأنسب من القصب لنقلها إلى مصر.

عبودية السكر

كما شهدت جامايكا، التي زارها عمر أفندي، استقدام الإنجليز والأسبان آلاف الأفارقة للعمل كعبيد في مزارع السكر.

وبعد توقيع إنجلترا معاهدة تجريم تجارة العبيد، تم استبدالهم بعمالة من الهند والصين، وهي العمالة التي اندمجت لاحقًا ضمن النسيج السكاني لجامايكا، ولا تزال آثارها قائمة حتى اليوم.

فسيفساء الكاريبي

يوصف البحر الكاريبي بأنه مساحة ثقافية شديدة التنوع، تضم دولًا جزرية مثل كوبا، جامايكا، هايتي، جمهورية الدومينيكان، بورتوريكو، باربادوس، وترينيداد وتوباغو، إلى جانب دول برية كالمكسيك، بليز، كولومبيا، وفنزويلا. وهي مناطق اطلع عليها عمر أفندي أو سمع عنها، وتعرّف إلى عادات أهلها وتاريخهم خلال رحلته.

رؤية إبراهيم باشا

وفي السياق ذاته، يشير المؤرخ المصري الدكتور أحمد الحتة، في رسالته «تاريخ الزراعة في عهد محمد علي الكبير»، إلى أن إبراهيم باشا، الذي استقدم العديد من الأشجار من أوروبا، أرسل أحد رجاله إلى الوجه القبلي للبحث عن أراضٍ صالحة لزراعة قصب السكر. وقد نجحت زراعة القصب بالفعل في الصعيد، بعدما استقدمه المصريون من الهند منذ العصر الأموي.

ويضيف الدكتور الحتة أن مصر، رغم إنتاجها الوفير من السكر، كان إنتاجها يقتصر على تلبية الاستهلاك المحلي، ما اضطرها للاعتماد على السكر الأوروبي.

كما أرسل إبراهيم باشا عام 1838م أمين أسراره عمر أفندي، أحد المتخصصين في صناعة السكر، إلى جامايكا، التي كانت آنذاك من أكبر المستعمرات الإنجليزية إنتاجًا للسكر في العالم، حيث اندلعت حروب عديدة بسبب هذه السلعة.

القصب الذي غير الصعيد

عاد عمر أفندي من جامايكا حاملاً نوعًا من القصب الأحمر، تمت زراعته في صعيد مصر، واستمر الأهالي في زراعته حتى سبعينيات القرن الماضي، وكان يعرف باسم قصب «البِس»، كما جلب نوعين آخرين من القصب الإنجليزي، أُنشئت بهما مزارع كبرى للقصب، وأقيمت مصانع للسكر في الصعيد، لتزرع الأصناف الثلاثة جنبًا إلى جنب.

والجدير بالذكر أن رحلة عمر أفندي تعتبر واحدة من أهم وأوائل الرحلات المصرية إلى دول أمريكا الجنوبية، في حقبة كان فيها السكر أغلى من البترول، وقبل أن يصبح الذهب الأسود وقود الحروب والصراعات في عالمنا المعاصر، لتبقى تلك الرحلة شاهدًا على مرحلة مفصلية في تاريخ الزراعة والصناعة المصرية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى