بني زيري.. القبيلة العربية التي صنعت مجد غرناطة
أسماء صبحي – حين انهارت الخلافة الأموية في الأندلس مطلع القرن الحادي عشر. دخلت شبه الجزيرة الإيبيرية في مرحلة من الاضطرابات السياسية عرفت بعصر ملوك الطوائف. في هذه الفترة برزت أسماء قبائل وأسر عربية استطاعت أن تملأ الفراغ السياسي. وكان من أبرزها قبيلة بني زيري التي أسست واحدة من أقوى الممالك في غرناطة لتتحول من مجرد قبيلة عربية ذات جذور حميرية يمنية إلى قوة سياسية. وعسكرية لعبت دورًا محوريًا في رسم ملامح التاريخ الأندلسي.
أصول بني زيري
تعود أصول القبيلة إلى القبائل الحميرية في اليمن وقد هاجرت بعض بطونها إلى شمال إفريقيا قبل أن تستقر في المغرب الأوسط وتصبح جزءًا من التركيبة السكانية والسياسية هناك. ومع الفتوحات الإسلامية واتساع رقعة النفوذ العربي انتقل فرع من بني زيري إلى الأندلس ليجد لنفسه موطئ قدم في واحدة من أكثر المراحل حرجًا في تاريخ المنطقة.
بداية الصعود
شهدت الأندلس بعد سقوط قرطبة حالة من التشرذم بين عدد كبير من القوى المحلية سواء من العرب أو البربر أو حتى المولدين. وفي خضم هذه الفوضى، استطاع زعيم بني زيري، حبوس بن ماكسن الصنهاجي، أن يسيطر على مدينة غرناطة عام 1013 ميلادي. ويجعل منها قاعدة ملكه. غرناطة لم تكن مجرد مدينة عادية، بل موقعًا استراتيجيًا محصنًا بين الجبال. وهو ما جعلها حصنًا منيعًا أمام الهجمات القادمة سواء من القوى الإسلامية المنافسة أو من الممالك المسيحية الصاعدة في الشمال.
غرناطة عاصمة ملك بني زيري
تحولت غرناطة على يد بني زيري إلى واحدة من أبرز مدن الأندلس. ولم يكتف حكامها بالجانب العسكري، بل عملوا على تطوير البنية العمرانية من أسوار وقلاع ومساجد وأسواق. وأصبحت المدينة مركزًا تجاريًا مهمًا يربط بين الداخل الأندلسي والسواحل المتوسطية مما زاد من ثروتها وأهميتها. كما عملوا على تشجيع الحياة العلمية والثقافية، فاستقطبوا العلماء والشعراء، وأسهموا في إحياء النهضة الفكرية في الجنوب الأندلسي.
القوة العسكرية
كان لبني زيري جيش قوي يعتمد على التجنيد المحلي وعلى التحالفات مع القبائل الأخرى. وتمكنوا من صد العديد من الهجمات سواء من جيرانهم من ملوك الطوائف أو من الممالك المسيحية. وكانوا بارعين في استغلال طبيعة غرناطة الجبلية لتأمين حدودهم. كما اتسمت سياستهم بالمرونة. فعقدوا أحيانًا تحالفات مع القوى المسيحية لمواجهة خصوم مسلمين، وهو ما يعكس براعة سياسية في إدارة الصراعات المتشابكة في تلك المرحلة.
التحديات والانقسامات
على الرغم من نجاحهم في بناء دولة قوية، فإن بني زيري لم يكونوا بمنأى عن الأزمات. والانقسامات الداخلية بين أفراد الأسرة الحاكمة أضعفت استقرار حكمهم، كما أن التنافس مع قبائل عربية أخرى مثل بني عباد في إشبيلية وبني حمود في مالقة شكل ضغطًا متواصلًا عليهم. ومع تزايد الهجمات المسيحية وتقدم جيوش قشتالة وأراغون، بدأت مملكة بني زيري تفقد تدريجيًا من قوتها ونفوذها.
الإرث الثقافي والحضاري
ما يميز تجربة بني زيري في غرناطة أنهم لم يقتصروا على العمل العسكري والسياسي فقط، بل تركوا إرثًا ثقافيًا وعمرانيًا مميزًا. وساهموا في تحصين المدينة بشكل جعلها لاحقًا قادرة على أن تصبح عاصمة آخر دولة إسلامية في الأندلس وهي مملكة بني نصر. ويمكن القول إن الأسس التي وضعها بنو زيري في غرناطة كانت الركيزة التي مكنت غرناطة من الصمود قرونًا طويلة حتى سقوطها النهائي عام 1492.
ويقول الدكتور أحمد عبد العزيز، أستاذ التاريخ الإسلامي بجامعة القاهرة، إن بني زيري يمثلون مرحلة محورية في تاريخ الأندلس، فهم الذين أسسوا غرناطة ككيان سياسي مستقل ووضعوا لبناتها الأولى كمدينة حصينة ومزدهرة. ورغم أن دولتهم لم تعمر طويلاً فإن أثرهم ظل حاضرًا عبر القرون. إذ إن البنية العمرانية التي شيدوها والتحصينات التي أقاموها هي التي سمحت لغرناطة لاحقًا بأن تكون آخر معاقل المسلمين في الأندلس.



