أبو الوفا البوزجاني عبقرية خراسان التي أعادت صياغة الرياضيات والفلك
هو أبو الوفا محمد بن محمد بن يحيى بن إسماعيل بن العباس البوزجاني، أحد أعلام العلم في الحضارة الاسلامية، ولد في مدينة بوزجان بإقليم خراسان في بلاد فارس عام 328 للهجرة الموافق 940 للميلاد، ونشأ في بيئة علمية مبكرة، حيث تلقى أولى معارفه على يد العالم المعروف بأبي عمرو المغازلي، كما تتلمذ على خاله محمد بن عنبسة، فتعلم منهما أسس العدديات والحساب، وهي العلوم التي شكلت اللبنة الأولى في مسيرته العلمية اللاحقة.
من هو أبو الوفا البوزجاني
في سن التاسعة عشرة، انتقل أبو الوفا إلى بغداد، حاضرة العلم والفكر في ذلك العصر، ليصقل موهبته وينفتح على مدارس علمية متعددة، وهناك بدأ مسيرته العلمية الفعلية، فقدم شروحات دقيقة ومتقدمة لمؤلفات كبار علماء الحساب، مثل الإغريقي إقليدس والعالم المسلم الخوارزمي، ولم تكن تلك الشروحات مجرد تلخيص أو تفسير، بل أظهرت فهما عميقا وقدرة تحليلية عالية، لفتت أنظار العلماء وأكدت نبوغه المبكر.
حظي أبو الوفا بمكانة رفيعة في بغداد، وتمتع باحترام واسع لدى الطبقة الحاكمة، وكان الوزير ابن سعدان من المواظبين على حضور مجالسه العلمية، التي كانت تضم نخبة من كبار المفكرين والعلماء، من بينهم أبو حيان التوحيدي، ما جعل تلك المجالس ملتقى فكريا يجمع بين العلم والفلسفة والأدب.
ومن أبرز إنجازاته العلمية الخالدة، ابتكاره للنسب المثلثية، حيث كان أول من استخدمها بشكل منهجي لحل المسائل الحسابية، وهو إنجاز شكل نقلة نوعية في تاريخ الرياضيات، كما وضع جداول حسابية دقيقة للماس، وأضاف إضافات جوهرية على ما جاء به الخوارزمي، حتى أصبحت أعماله أساسا متينا للعلاقة بين علم الجبر والهندسة، وأسهمت في تطويرهما معا في إطار علمي متكامل.
لم تقتصر مكانة أبي الوفا على العالم الاسلامي فحسب، بل امتدت إلى علماء الشرق والغرب، الذين وقفوا له احتراما وتقديرا لإسهاماته المتميزة في الرياضيات والفلك، وقد وصفه المؤرخ البلجيكي جورج سارتون في كتابه تاريخ العلوم بأنه أعظم علماء الحساب في الاسلام، وهو توصيف يعكس حجم تأثيره وعمق إنجازاته.
أما المستشرق الفرنسي البارون كارادي فو، فقد أكد أن الخدمات التي قدمها أبو الوفا لعلم المثلثات جعلت هذا العلم أكثر بساطة ووضوحا، وأسست لقواعد ما زالت آثارها حاضرة في العلوم الحديثة، وهو اعتراف علمي صريح بدوره المحوري في تطور هذا الفرع المهم من الرياضيات.
ترك أبو الوفا مؤلفات علمية قيمة، من بينها كتاب الزيج والكامل، الذي تناول فيه مسائل فلكية دقيقة، أما أشهر أعماله فهو كتاب المجسطي، الذي تناول فيه كتاب المجسطي الاصلي للعالم اليوناني بطليموس، وقدم شروحات وتحليلات غير مسبوقة في مجالي الرياضيات والفلك، ولا تزال المخطوطات الأصلية لهذا العمل محفوظة في المكتبة الوطنية بالعاصمة الفرنسية باريس، شاهدة على عبقرية عالم سبق عصره وترك بصمة لا تمحى في تاريخ العلم الانساني.



