تاريخ ومزارات

الآثار الغارقة في الإسكندرية

 

كتبت شيماء طه

 

تُعَدّ الإسكندرية من أهم المدن الساحلية في العالم التي تحتضن كنوزًا أثرية غارقة تعود لآلاف السنين، مما يجعلها متحفًا فريدًا تحت مياه البحر المتوسط. فقد شهدت المدينة عبر تاريخها الطويل أحداثًا طبيعية وسياسية أدت إلى غرق أجزاء كبيرة من منشآتها القديمة، خاصة تلك التي كانت قائمة في منطقة الحي الملكي وجزيرة فاروس، وهما من أهم مراكز الحضارة الهلنستية في مصر.

 

تشير الدراسات الأثرية إلى أن مدينة الإسكندرية القديمة كانت تمتد في مناطق أصبحت اليوم تحت سطح الماء، إذ تعرضت لسلسلة من الزلازل والانهيارات الأرضية التي أدت إلى هبوط أجزاء من اليابسة وغرق العديد من المباني. ومن أشهر هذه المواقع الغارقة بقايا قصر كليوباترا، الذي يُعتقد أنه كان مقرًّا لحكام البطالمة ومركزًا سياسيًا مهمًا خلال العصر الفرعوني-اليوناني. ويُعد هذا الاكتشاف من أهم ما توصلت إليه البعثات الأثرية، لأنه يقدم أدلة تاريخية عن حياة آخر ملكات مصر البطلمية.

 

كما تضم الإسكندرية عددًا كبيرًا من التماثيل الضخمة الغارقة، من بينها تمثال ضخم للإله حابي، وتماثيل لأبي الهول، وأعمدة جرانيتية ضخمة كانت تزين ساحات المعابد والقصور. هذه الآثار تم العثور عليها في مناطق مثل ميناء الإسكندرية الشرقي وجزيرة أنتيـرودوس، حيث كانت توجد في الماضي منشآت ملكية ومبانٍ إدارية وتجارية.

 

وقد لعبت البعثات الأثرية المصرية والفرنسية دورًا كبيرًا في الكشف عن هذه الكنوز، خصوصًا بعثة عالم الآثار البحري الفرنسي فرانك جوديو، التي بدأت أبحاثها في تسعينيات القرن الماضي، واستطاعت تحديد مواقع عديدة تضم آلاف القطع الأثرية الغارقة. استخدمت هذه البعثات أحدث التقنيات مثل أجهزة المسح الصوتي والروبوتات البحرية والغواصين المتخصصين، مما ساعد على توثيق القطع الأثرية بدقة عالية دون تعريضها للتلف.

 

وتعكس الآثار الغارقة صورة واضحة عن طبيعة الحياة في الإسكندرية القديمة، إذ تم العثور على أدوات منزلية، وعملات ذهبية وبرونزية، وأوانٍ فخارية ونحاسية، مما يدل على ازدهار التجارة والنشاط البحري في المدينة. كما تقدم هذه الاكتشافات فهمًا أعمق لتخطيط المدينة المعماري، وشكل المباني والقلاع القديمة، ودور الموانئ في التبادل التجاري بين مصر والعالم القديم.

 

من ناحية أخرى، أصبحت الآثار الغارقة مصدر جذب سياحي كبير، حيث بدأت محاولات لتحويل بعض المناطق إلى مواقع للغوص الأثري، مما يتيح للزوار مشاهدة المعالم المغمورة في بيئتها الأصلية. كما يجري العمل على وضع خطط لإنشاء متحف تحت الماء في الإسكندرية، وهو مشروع فريد من نوعه سيعرض أجزاء من هذه الآثار بطريقة تجمع بين العلم والسياحة.

 

وبشكل عام، تمثل الآثار الغارقة في الإسكندرية سجلًّا تاريخيًا حيًا يكشف لنا الكثير من أسرار الماضي، وتؤكد مكانة المدينة كواحدة من أهم موانئ الحضارة القديمة. وتبقى هذه الكنوز شاهدًا على عظمة التاريخ المصري، وكنزًا لا يزال يحمل المزيد من الأسرار التي سيكشفها المستقبل مع استمرار أعمال البحث والتنقيب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى