تاريخ ومزارات

معبد الوحي في سيوة.. عبق التاريخ في قلب الصحراء

أسماء صبحي – في عمق الصحراء الغربية المصرية، وعلى بعد أكثر من 300 كيلومتر من ساحل البحر الأبيض المتوسط. تقع واحة سيوة، جوهرة الطبيعة والتاريخ. وبين النخيل والبحيرات المالحة، يبرز معبد الوحي أو ما يعرف بـ”معبد آمون” كأحد أهم المعالم التاريخية في الواحة بل وفي مصر القديمة بأكملها. وهذا المعبد، الذي ارتبط اسمه بالإسكندر الأكبر، كان مركزًا للكهنة والعرافين. ومقصدًا للملوك والمستكشفين الباحثين عن نبوءة المستقبل.

سيوة أرض التاريخ

تعد سيوة واحدة من أقدم الواحات المأهولة بالسكان في مصر، وتعود جذورها إلى آلاف السنين. وتميزت بتاريخها المنفصل نوعًا ما عن باقي واحات مصر، نظرًا لعزلتها الجغرافية. مما جعل سكانها يحتفظون بعاداتهم وتقاليدهم وحتى لغتهم الأمازيغية حتى اليوم.

وتعرف الواحة بأنها موطن لمجموعة من المعابد والمقابر والمعالم الأثرية التي تعود إلى العصور المصرية القديمة والعصرين اليوناني والروماني. ويأتي في مقدمتها معبد الوحي الذي يقع فوق صخرة عالية تُسمى “جبل أغورمي”.

معبد الوحي

شيد المعبد في عهد الأسرة السادسة والعشرين، في القرن السادس قبل الميلاد. وكرس لعبادة الإله آمون، إله الشمس والنور، الذي كانت له مكانة عظيمة في مصر القديمة. إلا أن ما ميز هذا المعبد تحديدًا، هو أنه لم يكن فقط مكانًا للعبادة، بل كان بمثابة مركز للعرافة والتنبؤ بالمستقبل.

وكان يعرف المعبد لدى الإغريق بـ”معبد زيوس آمون”، إذ اعتقدوا أن الإله آمون يتجلى فيه ويمنح كهنته القدرة على قراءة المصير. ولهذا، زاره عدد من القادة العظام، أبرزهم الإسكندر الأكبر في عام 331 ق.م، حين جاء إلى سيوة طالبًا تأكيد نسبه الإلهي.

زيارة الإسكندر الأكبر

تعد زيارة الإسكندر لمعبد الوحي من اللحظات التاريخية الفارقة. إذ سعى القائد المقدوني لأن يعلن نفسه ابنًا للإله آمون تأكيدًا لشرعية حكمه لمصر وامتدادًا لنفوذه شرقًا. وقد أحيطت زيارته بهالة من الغموض، حيث لم تعرف النبوءة التي تلقاها على وجه التحديد. إلا أنه خرج منها واثقًا من مصيره الإمبراطوري.

ويقول الدكتور عبد الحميد حسن، أستاذ الآثار المصرية بجامعة الفيوم، إن معبد الوحي في سيوة ليس مجرد أطلال حجرية. بل هو شاهد على تلاقي حضارات مصر واليونان، ومكان أثر في مجريات التاريخ العالمي. كما كانت زيارة الإسكندر للمعبد نقطة مفصلية ساعدته في تثبيت نفوذه في مصر وامتداد إمبراطوريته حتى الهند.

البناء المعماري للمعبد

يقع المعبد على هضبة صخرية مرتفعة تمنحه إطلالة ساحرة على الواحة، وهو مشيد من كتل حجرية ضخمة. وعلى الرغم من تضرر أجزاء كبيرة منه بفعل الزمن والزلازل والعوامل البيئية. لا تزال بعض النقوش واضحة على جدرانه تحمل رموزًا هيروغليفية وتماثيل نصفية للإله آمون.

يضم المعبد قاعة رئيسية للعبادة، وغرفة سرية كانت تُستخدم غالبًا للعرافة أو التواصل الروحي. بالإضافة إلى مدخل ضيق يفضي إلى منصة المعبد. ويعتقد أن الكهنة كانوا يستخدمون نظامًا صوتيًا خاصًا داخل الجدران لجعل أصواتهم تتردد بشكل غامض. مما أضفى رهبة على الزائرين وأوهمهم بصوت “الإله”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى