تاريخ ومزارات

هرم سقارة المدرج: عبقرية معمارية خالدة في قلب الجيزة

أسماء صبحي  – تعد محافظة الجيزة إحدى أهم المناطق الأثرية في العالم، إذ تحتضن كنوزًا فرعونية لا تقدر بثمن ومن أبرزها أهرامات الجيزة الثلاثة وأبو الهول. إلا أن هناك مكانًا آخر لا يقل أهمية من الناحية التاريخية والمعمارية. وهو “هرم سقارة المدرج” الذي يعتبر أول بناء حجري ضخم في التاريخ، ومن أعظم إنجازات العمارة في العصور القديمة.

هذا المعلم العريق لا يعبر فقط عن عبقرية الفراعنة، بل يعد رمزًا لانطلاقة فن العمارة الجنائزية في مصر القديمة.

نبذة تاريخية عن هرم سقارة المدرج

يقع هرم سقارة المدرج في منطقة سقارة الأثرية جنوب الجيزة. ويعود تاريخه إلى الأسرة الثالثة في الدولة القديمة، حيث شيد للفرعون زوسر (2670 – 2640 ق.م). وينسب تصميمه إلى المهندس العبقري “إيمحتب”، الذي أصبح لاحقًا إلهًا للطب والمعمار في المعتقدات المصرية القديمة.

وقد جاء بناء هذا الهرم ليكسر النمط السائد آنذاك في المقابر، والتي كانت عبارة عن مصاطب مسطحة. إذ عمد إيمحتب إلى تكديس ست مصاطب فوق بعضها لتشكيل هيكل هرمي مدرج. مما جعله أول من استخدم الحجر كمادة بناء رئيسية بدلاً من الطوب اللبن وهو ما يمثل ثورة معمارية غير مسبوقة.

العمارة والتصميم

يبلغ ارتفاع الهرم المدرج في الأصل نحو 62 مترًا. ويتكون من ست طبقات (مصاطب) متدرجة، تم بناؤها باستخدام كتل حجرية ضخمة. ويحيط بالهرم مجمع جنائزي متكامل تبلغ مساحته نحو 15 فدانًا ويضم ساحات ومعابد وممرات احتفالية. وكلها مُصممة بدقة متناهية تخدم الطقوس الجنائزية الخاصة بالفرعون زوسر.

وتظهر تفاصيل المجمع الجنائزي براعة استثنائية في التنسيق بين العناصر المعمارية. كما استخدم إيمحتب تقنيات معمارية متقدمة مثل الأعمدة شبه الدورية والتزيين بالنقوش. والتي أصبحت لاحقًا نموذجًا في المعابد الفرعونية.

أهمية هرم سقارة المدرج

لا تكمن أهمية هرم زوسر في كونه أقدم هرم معروف فقط. بل في كونه البداية الحقيقية لفن المعمار الجنائزي الذي بلغ ذروته لاحقًا في أهرامات الجيزة. لقد مهد هرم سقارة الطريق أمام تطور شكل الهرم من المصطبة إلى الشكل الكامل المعروف لاحقًا في عهد سنفرو وخوفو.

ويؤكد الدكتور زاهي حواس عالم الآثار المصري الشهير، أن هرم زوسر هو نقطة التحول في تاريخ العمارة المصرية. فهو أول مبنى حجري ضخم في العالم ويعكس عبقرية إيمحتب الذي يعد أول مهندس في التاريخ تم تسجيل اسمه.

الاكتشافات الأثرية في المنطقة

لم يتوقف سحر سقارة عند الهرم المدرج، بل استمرت المنطقة في إبهار العالم بالاكتشافات الحديثة. ففي السنوات الأخيرة، كشفت بعثات أثرية مصرية عن عشرات التوابيت الخشبية المزينة التي تعود إلى الدولة الحديثة. والعديد من المومياوات والتماثيل النادرة.

وفي عام 2020، أعلنت وزارة السياحة والآثار عن اكتشاف أكثر من 100 تابوت بحالة ممتازة داخل آبار دفن بالقرب من هرم زوسر. ما جعل سقارة تتصدر عناوين الصحف العالمية.

أعمال الترميم وتطوير الموقع

شهد هرم زوسر أعمال ترميم ضخمة استمرت عدة سنوات، بتمويل من الحكومة المصرية ومشاركة خبراء آثار عالميين. وشملت أعمال الترميم تدعيم الأساسات، ترميم الحوائط الداخلية. وإعادة فتح السلم الداخلي المؤدي إلى حجرة الدفن والذي يبلغ طوله أكثر من 28 مترًا تحت سطح الأرض.

وفي عام 2020، أُعيد افتتاح الهرم أمام الزوار بعد 14 عامًا من الإغلاق. في احتفالية رسمية حضرها وزير السياحة والآثار وعدد من السفراء الأجانب. وقد وصف الدكتور مصطفى وزيري الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، المشروع بأنه أحد أعقد مشروعات الترميم في تاريخ مصر.

واليوم، تعد منطقة سقارة من أهم الوجهات السياحية في مصر. حيث يتوافد عليها الزوار من مختلف الجنسيات لمشاهدة عبقرية المصريين القدماء. كما يتضمن برنامج زيارة الموقع مشاهدة الهرم المدرج، التجول في المجمع الجنائزي، وزيارة مقابر النبلاء المزينة برسوم ملونة، مثل مقبرة “كا جِمْني” و”تي”.

وقد أدرجت منظمة اليونسكو منطقة سقارة ضمن قائمة التراث العالمي. تأكيدًا على قيمتها التاريخية والثقافية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى