عادات و تقاليد

الهجين.. سباقات الهجن التي تحافظ على روح القبيلة وتاريخها

أسماء صبحي 

وسط رمال الصحراء الممتدة وصوت الرياح وهي تعانق الكثبان. يعلو هدير الإبل وهي تنطلق بسرعة مدهشة في مضامير السباق، في مشهد يختصر واحدة من أقدم العادات التي ما زالت حيّة في قلوب القبائل العربية. سباقات الهجين، هذه العادة ليست مجرد منافسة رياضية، بل موروث ثقافي واجتماعي يعكس حياة البدو وقيمهم الأصيلة.

الجذور التاريخية لـ الهجين

ترجع عادة سباقات الهجن إلى مئات السنين، حين كانت الإبل رفيق البدو في الترحال والتجارة والحرب. ومع مرور الزمن، لم تعد الإبل وسيلة نقل فحسب، بل أصبحت رمزًا للقوة والجاه والمهارة في التربية والتدريب. واحتفظت قبائل الجزيرة العربية والخليج ومصر والسودان بهذه العادة. وأقامت لها مهرجانات سنوية تحولت لاحقًا إلى فعاليات رسمية تحظى برعاية حكومية وشعبية واسعة.

وفي القبائل، لا ينظر لسباق الهجن كمجرد رياضة، بل هو مناسبة اجتماعية كبرى تجمع الأسر من مختلف المناطق. ويتحول الميدان إلى ملتقى للتعارف، وتبادل الأخبار، وإبرام الصفقات التجارية، وحتى حل الخلافات العالقة. كما تتسابق القبائل على تقديم أفضل الإبل وأكثرها سرعة، وينظر إلى فوز الهجين على أنه انتصار معنوي للقبيلة بأكملها.

القواعد وأسلوب السباق

يتم اختيار الإبل المشاركة وفق معايير صارمة تشمل النسب، الصحة، وسرعة الجري. وتقام السباقات في مضامير رملية يتراوح طولها بين 4 و10 كيلومترات. وفي الماضي، كان الصبية يركبون الإبل لقيادتها، لكن في السنوات الأخيرة حلت الروبوتات الصغيرة محل الفرسان الصغار حفاظًا على سلامة الأطفال. وهو ما جعل السباقات أكثر أمانًا دون فقدان طابعها التراثي.

وتعد تربية الهجن المخصصة للسباقات صناعة قائمة بذاتها. حيث يتم بيع الإبل الفائزة بأسعار تصل إلى ملايين الجنيهات أو الريالات. كما تنشط أسواق الأعلاف والمعدات والملابس التقليدية المصاحبة للمهرجانات. ويخلق هذا النشاط فرص عمل ويسهم في تنشيط السياحة الداخلية، خاصة في المناطق التي تُعرف بكونها مراكز لهذه السباقات.

البعد الثقافي والحفاظ على التراث

سباقات الهجن تمثل وسيلة عملية لحماية السلالات الأصيلة من الإبل من الانقراض. كما أنها تحافظ على تقاليد البدو في العناية بالإبل ومعرفة خصائصها. وكثير من الشباب في القبائل يتعلمون منذ الصغر كيفية رعاية الهجن وتدريبها، مما يضمن استمرار هذا التراث عبر الأجيال.

ويقول الدكتور خالد الزهراني، أستاذ التاريخ الاجتماعي في جامعة الملك سعود، إن سباقات الهجين ليست مجرد رياضة شعبية. بل هي امتداد لتاريخ طويل من الارتباط بين الإنسان والإبل في البيئات الصحراوية. ومن خلال هذه السباقات، نحافظ على قيم التعاون والمنافسة الشريفة ونورثها للأجيال القادمة.

وأضاف الزهراني، أن الاهتمام الحكومي بإقامة مهرجانات الهجن مثل مهرجان الملك عبد العزيز للإبل في السعودية. ساعد على تحويل العادة من نشاط محلي محدود إلى حدث عالمي يجذب الزوار من مختلف الدول.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى