فنون و ادب

التغرود العماني.. صوت البادية الذي لا يغيب عن الذاكرة

يعد فن التغرود من أبرز ملامح التراث الثقافي العماني، ويمثل واحداً من الفنون البدوية الأصيلة التي تتجذر في هوية المجتمع، ويصنف ضمن التراث الثقافي غير المادي، حيث تنتشر ممارسته في العديد من ولايات سلطنة عمان، وتحديداً في المناطق الريفية والبادية، كما يعرف هذا الفن في بعض دول الخليج المجاورة مثل الإمارات.

ما هو فن التغرود العماني

يرتبط التغرود ارتباطاً وثيقاً بحياة البدو، ويعبر عن الغناء أثناء ركوب الجمال، ويؤديه الرجال خلال السفر أو الجلوس في جلسات السمر، ويتميز هذا الفن باختلاف لهجاته وفقاً للمنطقة، وتتنوع أنماطه في محافظات عمان مثل الباطنة، والشرقية، والظاهرة، والوسطى، وظفار، والداخلية، مما يمنحه طابعاً متنوعاً ومميزاً يعكس غنى البيئة العمانية.

تنحدر كلمة تغرود من الفعل العربي غرد، والذي يعني الغناء بصوت عذب، ويشير إلى الطرب ورفع الصوت، وهو تعبير يُطلق كذلك على صوت الحمام والديك، ما يربط الفن بحالة من الصفاء والجمال.

أنواع فن التغرود الشعبي

  • تغرود البوش

يطلق على هذا النوع اسم تغرود البوش نسبة إلى البوش أي الجمال، ويؤدى بينما تسير الجمال بخطواتها الأولى السريعة، حيث تنسجم حركتها مع الإيقاع الشعري الذي يردده الراكب، وعندما تزيد سرعة الإبل، يعجز المنشد عن متابعة الغناء لصعوبة التنفس، لذلك يرتبط التغرود بإيقاع السير البطيء أو المتوسط.

في الماضي، أنشد الرجال هذا اللون الغنائي أثناء رحلات السفر الطويلة، بصوت جماعي يتسم بالهدوء واستطالة نغمة الحروف، ويحتوي على تموج صوتي متناسق.

ومن أشهر نماذجه الشعبية:

لوع مصاعيبها وطوال نجودها
يا ناقتي يا حلوة اليهيال
عو الصبا عني وعنش نيال
والشيب خضب بو ذراعه مال

أما تغرود الترحال، فيتضمن أبياتاً مثل:

اتلاحقوا طبيبان لي متلنه
ترابناته قاطعات الهنة

  • تغرود الخيل

هذا النوع يختص بالخيل أو بمن يمتطيها، ويؤدى بهدف تحميس الخيل وراكبها، ويتميز بإطلاق الصيحات لتشجيع الفرس ورفع الحماسة، وتفيض كلماته بمعاني الشهامة والرجولة، مثل النجدة والشجاعة والدفاع عن الضعفاء، ويُعد من الفنون التي تدمج الشعر بالحماسة العسكرية.

جذور التغرودة في الحياة الصحراوية

نشأ شعر التغرودة كوسيلة لتسلية المسافرين خلال تنقلاتهم في الصحراء، إذ اعتقد البدو أن الإبل تستجيب لغناء الحادي وتزيد من وتيرة حركتها، وكانت الأهازيج الشعرية ترافق الرحلات الشاقة، فتمنح النفس راحة وتدفع الإبل لمتابعة السير.

ومع تطور الزمن، تطور هذا الفن ليتماشى مع العصر، حيث لم يعد مقتصراً على الغناء التقليدي فقط، بل أصبح يُكتب ويسجل ويُعرض في المناسبات الرسمية والعروض الحية، مما أسهم في انتشاره بين الأجيال الجديدة.

يُقدم هذا الفن حالياً في جلسات السمر والتخييم، ويشارك في حفلات الزواج وسباقات الهجن والمهرجانات الوطنية، ويعد رمزاً من رموز الهوية الثقافية العمانية والخليجية.

الموضوعات التي تتناولها التغرودة

تتسم كلمات التغرودة بالبساطة والوضوح، بعيداً عن التعقيدات البلاغية، وتعكس مشاعر الحب والمودة تجاه الأهل والأصدقاء، وتمدح شيخ القبيلة وتعبر عن القيم المجتمعية الأصيلة.

كما استخدم الشعراء هذا الفن للتعبير عن قضايا اجتماعية، أو لتوثيق إنجازات وأحداث تاريخية، وغالباً ما يستشهد الناس بأبياته في أحاديثهم اليومية للدلالة على الحكمة والموعظة.

تظل التغرودة واحدة من الفنون الشعبية التي تحمل في طياتها روح البادية، وتُخلد قصص الأجداد وتجاربهم، وتواصل الأجيال حملها لتبقى حية في الذاكرة والوجدان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى