كرويا حكاية مدينة جبلية جمعت التاريخ العريق بروح الطبيعة الساحرة
في شمال منطقة الوسط الألباني وعلى مسافة تبلغ اثنين وثلاثين كيلومترا شمال العاصمة تيرانا تقع مدينة كرويا الجبلية التي تجمع بين جمال الطبيعة العذبة والتاريخ العريق بينما تحتضن ثراء من المعالم السياحية والأثرية وتشتهر بمنتجاتها المصنوعة يدويا مما يجعلها وجهة مثالية لعشاق الطبيعة والباحثين عن الثقافة والتراث.
حكاية مدينة كرويا
وتتربع قلعتها التاريخية فوق تل عال يطل على المدينة التي توسعت أسفلها كجوهرة عريقة تسرد بشموخ للأجيال قصص البطولات الألبانية على مدار قرون بينما منح موقعها الإستراتيجي المهيمن على المنطقة وقلعتها المحصنة بأسوار قوية وأبراج مهيبة قدرة على حماية الأراضي الألبانية منذ أن أصبحت مركز أول كيان سياسي ألباني ظهر في العصور الوسطى.
هذه القلعة القائمة على تل يرتفع ستمئة وثمانية أمتار فوق سطح البحر توفر للزائرين إطلالات بانورامية مذهلة على المنطقة المحيطة بينما تقدم أكثر من مشهد طبيعي لأنها رمز للهوية الوطنية الألبانية حيث تجسد روح المقاومة عبر الزمان وتشكل رمزا لصمود الألبان وشجاعتهم بينما يتردد صدى المعارك القديمة داخل أرجائها وفي تلالها المحيطة ليبقى حيا في كتب الألبان حتى اليوم.
أهمية كرويا لا تقف عند التاريخ إذ تعززها جغرافيتها البديعة فالمدينة الساحرة تعد الأكثر زيارة بين المدن الألبانية من جانب السائحين الأجانب والمواطنين المحليين حيث تفردت بطبيعة متنوعة جمعت بين سهول واسعة تخترقها أنهار متدفقة وسلسلة تلال مرتفعة تليها جبال شاهقة مما جعل زيارتها مغامرة شيقة لعشاق الطبيعة ورحلة ثقافية ثرية للمهتمين بالتراث.
وتشير المصادر الألبانية إلى أن قبائل إليرية وهم أجداد الألبان سكنوا كرويا منذ القرن الرابع قبل الميلاد وبعد سقوط دولتهم أمام الإمبراطورية الرومانية عام مئة وثمانية وستين قبل الميلاد أصبحت تحت سيطرة الرومان ثم تعاقبت عليها الإمبراطوريات بما في ذلك البيزنطية بينما ظهر اسمها في الوثائق البيزنطية في القرن السابع باسم كرواي باللغة اليونانية ثم حملت اسم آق حصار بمعنى القلعة البيضاء في العهد العثماني.
في عام ألف ومئة وتسعين بزغ نجم كرويا كعاصمة لأول كيان سياسي ألباني مستقل بعد انحسار النفوذ البيزنطي عندما أسس الأمير بروغون إمارة أربيريا التي اتخذت من قلعة كرويا مقرا لإدارتها وامتد نفوذ الإمارة ليشمل مساحات واسعة من الأراضي الألبانية مما منح كرويا قيمة إستراتيجية وثقافية كبيرة بينما ازدهرت المدينة تحت قيادة بروغون ومن تلاه وتحصنت أسوار القلعة ونمت العلاقات التجارية والثقافية مع دول إيطاليا ودول البحر الأدرياتيكي لتصبح مركزا إداريا وسياسيا هاما وتشكل بداية الوعي السياسي للألبان.
وحافظت إمارة أربيريا على استقلال نسبي عن الإمبراطوريات الكبرى مع تبعية بسيطة للبيزنطيين ثم لإمبراطورية إبيروس بينما تمتع حكامها بحرية إدارة شؤونهم مما سمح لهم بتأمين مصالحهم وتحصين المدينة ورغم أن الإمارة لم تدم طويلا وتراجعت بعد وفاة آخر حكام آل بروغون وفقدت استقلالها عام ألف ومئتين وخمسة وخمسين فإن هذه الفترة تمثل مرحلة حاسمة في تشكل الهوية السياسية الألبانية.
وأصبحت إمارة أربيريا رمزا لتراث الألبان ومرحلة مهمة من بلورة الوعي القومي ويعود ذلك لدور كرويا المحوري في تعزيز الهوية السياسية والتاريخية للألبان في العصور الوسطى بينما واصلت القلعة رمزية قوتها طوال الفترات اللاحقة وشهدت صراعات البيزنطيين والإمارات المحلية وظلت مركزا سياسيا وعسكريا بارزا شمال ألبانيا حتى دخول العثمانيين.



