الذكرى الـ 74 لحريق القاهرة.. لغز لم يحل ونار مهدت لثورة 52

أميرة جادو
في مثل هذا اليوم، 26 يناير 1952، شهدت مصر واحدة من أخطر الكوارث في تاريخها الحديث، حين اندلع حريق هائل في قلب العاصمة القاهرة، في واقعة غامضة لم يعرف مرتكبوها حتى الآن، التهمت ألسنة اللهب الأخضر واليابس، وقدرت الخسائر بنحو أربعين مليون جنيه، بعدما دمرت محال تجارية وبنوك ومسارح وملاهٍ كبرى في منطقة وسط القاهرة.
حريق القاهرة
جاء هذا الحريق العنيف بعد ساعات قليلة من أحداث الإسماعيلية، حيث وقعت اشتباكات عنيفة بين الشرطة المصرية وقوات الاحتلال البريطاني، وسرعان ما اشتعلت المظاهرات في القاهرة احتجاجًا على ما جرى بالإسماعيلية، وتحولت حالة الغضب الشعبي إلى حرائق واسعة بدأت من ميدان محطة مصر ـ رمسيس حاليًا ـ وامتدت إلى شوارع وميادين وسط العاصمة.
وتزامن ذلك مع خروج عساكر بلوكات النظام بالجيزة في مظاهرات ضخمة، انضمت إليها لاحقًا مسيرات طلاب الجامعات التي توجهت إلى رئاسة مجلس الوزراء تعبيرًا عن الرفض والاحتجاج.
البداية مع كازينو بديعة
اتخذت قوات الشرطة موقفًا سلبيًا من المظاهرات، بينما ظل الجيش داخل ثكناته ومعسكراته، في وقت كانت فيه قياداته مدعوة إلى مأدبة غداء ملكية مع الملك فاروق بقصر عابدين.
وبدأت الشرارة الأولى للحريق في كازينو بديعة بميدان الأوبرا، قبل أن تتوالى الحرائق في أنحاء متفرقة من المدينة بوتيرة متسارعة.
700 محل وسينما ومنشأة
امتدت ألسنة اللهب من كازينو بديعة إلى مختلف منشآت وسط القاهرة، لتدمر أكثر من 700 محل وكازينو وفندق ومكتب وبنك ونادي وسينما، وذلك في الفترة ما بين الثانية عشرة والنصف ظهرًا وحتى الحادية عشرة والنصف مساءً، لتتحول شوارع العاصمة إلى مشهد من الدمار الكامل.
ومن بين المواقع التي طالها حريق القاهرة: سينمات ديانا وريفولي ومترو وميامي وراديو، ومطعم الكورسال، وملهى الباريزيانا، إلى جانب محال شهيرة مثل شيكوريل وعمر أفندي وصالون فير، كما دمر 13 فندقًا من أبرزها شبرد ومتروبوليتان وفيكتوريا، إضافة إلى محال الأجانب بشارع عدلي.
ورغم ضخامة الكارثة، لم يتم التوصل إلى المتسببين في إشعال الحرائق، واكتفت السلطات بالقبض على بعض المواطنين البسطاء بتهم التجمهر والاشتباه.
سراج الدين يستنجد بالجيش
في أعقاب الكارثة، طلب فؤاد سراج الدين، وزير الداخلية آنذاك، من الجيش التدخل لإنقاذ البلاد، إلا أنه لم يتلق أي استجابة، وعلى إثر ذلك، نشر بيانًا في جريدة «المصري» اتهم فيه حيدر باشا، القائد العام للقوات المسلحة، وعثمان المهدي، رئيس الأركان، بالتقاعس عن تنفيذ طلب نزول الجيش إلى الشوارع أثناء أحداث الحريق، مؤكدًا أنهما انتظرا أوامر الملك دون تحرك.
إلغاء معاهدة 36 أشعل البلاد
توزعت الاتهامات بشأن المتسبب في حريق القاهرة بين القصر الملكي والإنجليز والحكومة، وفي هذا السياق، قال السيد حسين الشافعي، نائب رئيس الجمهورية وأحد أعضاء مجلس قيادة الثورة، إن السراي والملك كانت لهما مصلحة في اندلاع الحريق، مشيرًا إلى أن إلغاء معاهدة 1936 كان مناورة سياسية من حزب الوفد، الذي كان يدرك أن الملك سيقيل وزارته، مما وضع القصر في مأزق مع الإنجليز.
وأضاف أن حريق القاهرة جاء كنوع من الرد على إلغاء المعاهدة، إلا أن غياب التحقيقات الجادة حال دون كشف المسؤول الحقيقي، مؤكدًا أن تلك الأحداث كانت من الأسباب المباشرة لقيام ثورة يوليو 1952.
وكتب اللواء محمد نجيب في مذكراته أنه كان مدعوًا مع عدد من الضباط إلى مأدبة الملك فاروق بمناسبة ميلاد ولي العهد، وأن الملك كان على علم بما يجري في شوارع القاهرة، لكنه لم يفكر في إلغاء الحفل أو إصدار أوامر بإطفاء الحرائق، وظل منشغلًا بضيوفه بينما كانت النيران تلتهم البلاد.
حريق المنشآت
من جانبه، اتهم الكاتب إحسان عبد القدوس في مقال ناري بمجلة «روز اليوسف» الملك فاروق بأنه، بعد أن استشعر الخطر، مد يده سرًا إلى الإنجليز. وأكد أن غضب الشعب بلغ ذروته ضد الإنجليز والملك معًا، خاصة بعد أحداث الإسماعيلية التي أدرك فيها المصريون حقيقة ما جرى من مذبحة مخططة. وعلى إثر ذلك، خرج جنود بلوكات النظام من معسكرهم في العباسية وهم يحملون أسلحتهم، يهتفون بسقوط الاستعمار ويطالبون بالسلاح للتوجه إلى منطقة القنال.
اعتقال فتحي رضوان وأحمد حسين
وكتب الصحفي محمد حسنين هيكل أن السلطة المتعاونة مع الاستعمار حاولت إلصاق تهمة حريق القاهرة بكل الوطنيين الشرفاء الرافضين لسياساتها آنذاك، وتفاوتت أساليب التلفيق حسب ظروف كل شخص، ووصل الأمر إلى اعتقال بعض القيادات الحزبية الثورية، مثل فتحي رضوان الذي ظل معتقلًا حتى أفرج عنه لاحقًا وعين وزيرًا في حكومة الثورة.
كما وجهت تهمة التحريض على الحريق إلى أحمد حسين، قبل أن يثبت القضاء براءته، ويبقى السؤال معلقًا حتى اليوم: من أحرق القاهرة؟



