قبائل و عائلات

القبائل العربية في مصر الأيوبية: قوة عسكرية وشعبية صنعت الفارق

في قلب الصراع السياسي والعسكري الذي شهدته مصر في العصر الأيوبي، لعبت القبائل العربية دورًا محوريًا ومؤثرًا سواء في دعم الجيوش أو قيادة المواجهات الشعبية، وكان لها تأثير بارز في مواجهة الحملات الصليبية والتغيرات الداخلية التي طرأت على المشهد السياسي آنذاك.

تاريخ القبائل العربية في مصر الأيوبية

شهدت مصر الفتح الإسلامي في العام 21هـ / 641م على يد القائد عمرو بن العاص، ليكون ذلك إيذانًا بهجرة واستقرار العديد من القبائل العربية داخل الأراضي المصرية، خاصة من الحجاز واليمن. وسكنت قبائل مثل قحطان، نزار، ربيعة، وجهينة، وبلي في مدن ومناطق متعددة من أسوان إلى قوص والصعيد والوجه البحري. وكان انتشار هذه القبائل في أنحاء البلاد بعد تحول مصر إلى ولاية إسلامية عاملًا مهمًا في تشكيل الهوية السكانية والثقافية للدولة الناشئة، خاصة وأن البلاد كانت سابقًا تحت الحكم البيزنطي.

وفي هذا الصدد قالت م. خالدة سليمان بقسم التاريخ جامعة دهوك، أن مع بدء السلطان صلاح الدين الأيوبي بتنظيم جيوشه وتثبيت سلطته، عمل على إزالة العناصر غير العربية من الجيش الفاطمي السابق، مثل الأرمن والصقالبة والعبيد، واستبدلهم بعناصر عربية موثوقة، كان لها حضور بارز في المعارك والمواجهات الكبرى. وكان من أبرز هذه القبائل قبائل بني كنانة، وبني هلال، وبني كنز، وبلي، وجهينة، الذين لعبوا دورًا حاسمًا في دعم الجيوش الأيوبية، وخاصة أثناء الهجوم الصليبي على دمياط سنة 565هـ / 1169م.

أثناء حصار دمياط من قبل الصليبيين، استنفر السلطان الكامل النفير العام، فتحركت القبائل العربية من صعيد مصر وأسوان وانضمت إلى جيوش الدولة، وبلغ عددهم نحو أربعين ألف مقاتل. شكل هؤلاء قوة غير نظامية ولكنها فعالة، التحق بها العربان وأهل القرى والمدن من قوص حتى الإسكندرية، دفاعًا عن الأراضي المصرية.

وفي وقت سابق، خلال سنة 576هـ / 1180م، وقفت بعض القبائل في وجه الدولة الأيوبية، فأرسل السلطان الأيوبي أبو الهيجاء السمين جيشًا كبيرًا لقمعهم، فاستولى على أموالهم وممتلكاتهم بعد معركة حاسمة. ورغم ذلك، فإن غالبية القبائل العربية واصلت دعمها للأيوبيين خاصة في مواجهة العدوان الصليبي.

كما أشارت المصادر التاريخية إلى أن أسد الدين شيركوه، عند إقامته بالجيزة، نجح في استمالة الأشراف الجعفريين الذين كانوا يقيمون في الأشمونين بالصعيد الأوسط، وأصبحوا من الداعمين الأقوياء للسلطة الأيوبية. واستمر هذا التأثير في عهد السلطان الكامل (615–635هـ / 1218–1237م) حيث شارك العرب بفعالية في العمليات العسكرية، لا سيما عند استرداد دمياط.

القبائل العربية، وبخاصة البدو الأعراب، لم يكونوا فقط أدوات عسكرية بل كانوا قوة اجتماعية حاضرة في جميع الأزمات، حيث اجتمعوا كمجموعات غير نظامية عند الضرورة، وشكلوا ركيزة أساسية في بنية المجتمع الأيوبي. وظلت الزعامة في أيديهم في عدد من المناطق، خاصة في الصعيد، حتى نهاية العصر الأيوبي.

إن القبائل العربية لم تكن مجرد جماعات سكانية استقرت في مصر، بل كانت طرفًا فاعلًا في السياسة والدفاع والتكوين الاجتماعي، وأسهمت في ترسيخ الهوية العربية والإسلامية لمصر خلال واحدة من أكثر الفترات التاريخية حساسية واضطرابًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى