الشبانات الجعافرة في مراكش.. من نسب الأشراف إلى سقوط الدولة

دعاء رحيل
ينتمي الأشراف الشبانات الجعافرة إلى قبائل المعقل العريقة، ويعد نسبهم واحداً من أكثر الأنساب توثيقاً في كتب المؤرخين، حيث ذكرهم ابن خلدون، والناصري، وعبد الوهاب بن منصور، وغيرهم من كبار المؤرخين الذين أشاروا إلى مكانتهم بين العرب، ودورهم في تاريخ المغرب الأقصى، وخاصة في منطقة مراكش.
من هم الشبانات الجعافرة
ذكر ابن خلدون، المتوفى سنة 808 هجرياً، أن الشبانات من نسل شبانة بن مختار بن محمد بن معقل، وأنه أنجب ولدين هما حسان وشبانة، ومن شبانة جاءت بطون الشبانات، وهم على فرعين رئيسيين، الأول يعرف باسم بني ثابت، ويسكنون تحت جبل السكسيوي من جبال أدرنة، وكان شيخهم في ذلك العهد يعيش بن طلحة، أما الفرع الآخر فهو أولاد علي، ويقيمون في برية هنكيسة تحت جبل كزولة، وكان شيخهم آنذاك حريز بن علي.
أوضح ابن خلدون في الجزء السادس من كتابه العبر، أن بني مختار بن محمد ينقسمون إلى ذوي حسان، والشبانات، والرقيطات، وكلهم من العرب المعقليين الذين استوطنوا المغرب منذ قرون، وامتد نفوذهم في مناطق مختلفة.
وفي كتاب طلعة المشتري، كتب المؤرخ الناصري عن الشبانات، مبيناً أنهم ينقسمون إلى صنفين، أحدهما جعفري، والآخر غير ذلك، وأكد أنه سأل بعضهم فأقروا بأن فيهم فرقة تُعارف بالغرابة، وهم الجعافرة من دون بقية الشبانات. وأضاف أن هناك طائفة معروفة في فاس وضواحيها تسمى الشرفاء الشبانيين، وهم من ضمن أربع وأربعين فرقة من الأشراف المعترف بهم في فاس حسب ما ورد في ظهائر ملوك الدولة العلوية، كما أشار إلى أنهم يعرفون أيضاً بالجعفريين نسبة إلى جدهم سيدي مسعود الجعفري، ويدعون الانتساب إلى محمد بن إدريس مؤسس مدينة فاس، إلا أن الناصري رجح أن نسبتهم الجعفرية تعود إلى جعفر بن أبي طالب.
وفي كتاب الاستقصاء، وثق الناصري خبر قيام دولة الشبانات في مراكش وأعمالها بعد مقتل السلطان أبو العباس أحمد بن محمد الشيخ بن زيدان، حيث نهض عبد الكريم بن القائد أبي بكر الشباني الحريزي، أحد وجهاء قبيلة الشبانات، وأعلن نفسه حاكماً لمراكش سنة 1069 هجريا، واستتب له الأمر، فسار بين الناس بسيرة حسنة، لكنه واجه أزمة مجاعة شديدة في عام 1070 هجرياً، بلغت حد أكل الجيف من شدة الحاجة.
الشبانات من ضمن الشرفاء الأربعين في فاس
كما قال الشريف أبو أمين الطيار أحد أبناء القبائل، أن سلطة عبد الكريم الشباني في مراكش استمرت حتى توفي سنة 1079 هجرياً، قبل دخول المولى الرشيد بن الشريف بأربعين يوماً، وقد ذكر المؤرخ الإسباني منويل أن عبد الكريم واجه معارضة في آسفي فحاول إخضاعها لكنه هُزم، وبعدها قتله أحد جنوده غدراً، فطعنه برمح أرداه قتيلاً، وتم قتل القائد أيضاً، ثم بايع الناس ابنه أبا بكر، غير أن المولى الرشيد دخل المدينة بعد فترة قصيرة وقبض على أبي بكر وقتله، وتبع ذلك القضاء على دولة الشبانات بالكامل، حتى أنه أخرج جثمان عبد الكريم من قبره وأحرقه، فكانت تلك نهاية دولتهم.
وفي موضع آخر من طلعة المشتري، أكد الناصري أن الشبانات يعدون من ضمن الشرفاء الأربعين في فاس، ويعرفون بالشبانيين كما يُلقبون بالجعافرة.
أما عبد الوهاب بن منصور في كتابه قبائل المغرب، فقد أشار إلى أن شبانة بن مختار بن محمد بن معقل سكن مع أخيه ذوي حسان في إقليم سوس، وانقسموا إلى فرعين كبيرين هما بني ثابت وأولاد علي، وبقيت تسميتهم الأصلية موجودة ضمن شعب الشرارة في نواحي سيدي قاسم بإقليم القنيطرة، كما تنتشر بطون أخرى لهم في حوز فاس، والصويرة، وتادلة، والجديدة.
وأورد المؤرخ ملاي التقي العلوي في كتابه علماء وأمراء أن حريز بن علي بن عامر بن شبانة كان زعيم الشبانات في عهد علي بن يدر، وذكر أن الشبانات بعد أن استنجد بهم علي بن يدر استقروا في سوس، ثم تبعهم بنو حسان، وشاركوا في حروب انتهت بقتل علي بن يدر في معركة دامية.
وأشار إلى أن قبائل الشبانات تضم بطوناً معروفة مثل أولاد علي وأولاد بوثابت، الذين لعبوا دوراً بارزاً في تاريخ المنطقة، قبل أن تتفكك دولتهم وتندمج فروعهم ضمن قبائل أخرى في أنحاء مختلفة من المغرب.
إن تاريخ الشبانات الجعافرة لا يقتصر على النسب فقط، بل يمتد إلى مراحل مفصلية من تاريخ المغرب، حيث خاضوا معارك سياسية وقبلية، وأسسوا حكماً محلياً في مراكش، قبل أن تنتهي دولتهم على يد العلويين، ويبقى ذكرهم محفوظاً في كتب الأنساب والتاريخ، شاهداً على مرحلة حافلة بالتحولات والصراعات.



