غزوة بدر التي أشعلت القلوب وكتبت المجد للمقداد بن عمرو

في أرض الحجاز وتحت شمس الجاهلية القاسية، ولد فارس قدر له أن يغير صفحات التاريخ، بدأ حياته باسم المقداد بن الأسود بعد أن تبناه الأسود بن عبد يغوث الزهري هربا من دم أصابه بين قومه، لكن مع إشراقة الإسلام في قلبه ونزول آية ادعوهم لابائهم، عاد إلى نسبه الحقيقي فعرف باسم المقداد بن عمرو بن ثعلبة القضاعي، ليبدأ رحلة جديدة عنوانها الايمان والثبات.
قصة المقداد بن عمرو
دخل المقداد في الاسلام مبكرا، وكان واحدا من السبعة الذين جاهروا بدينهم في مكة المكرمة، فواجه مع إخوانه بطش قريش وغضبها، وتحمل الأذى دون تراجع، ثم هاجر الهجرتين، الأولى إلى الحبشة والثانية إلى المدينة المنورة، وشارك في بدر وكل المشاهد التي تلتها، فصار اسمه حاضرا في كل موقف من مواقف التضحية.
جاء يوم بدر ليكشف معدن الرجال، تقدمت قريش بجيش كبير متفاخرة بعددها وسلاحها، بينما وقف المسلمون بعدد قليل دون خبرة سابقة في القتال، فجمع النبي اصحابه ليستشيرهم ويختبر صدقهم، تحدث ابو بكر فأحسن، وتكلم عمر فأجاد، ثم قام المقداد بن عمرو ليصنع لحظة خالدة بكلمات خرجت من قلب ثابت.
رفع صوته بثقة وقال يا رسول الله امض لما اراك الله فنحن معك، والله لا نقول كما قالت بنو اسرائيل لموسى اذهب انت وربك فقاتلا انا هاهنا قاعدون، بل نقول اذهب انت وربك فقاتلا انا معكما مقاتلون، والذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك حتى تبلغه، ولنقاتلن عن يمينك وعن يسارك وبين يديك ومن خلفك حتى يفتح الله لك، فاضاء وجه النبي فرحا ودعا له، واشتعلت الحماسة في صفوف المؤمنين.
في ذلك اليوم وقف المقداد بين ثلاثة فرسان فقط، هو ومرثد بن ابي مرثد والزبير بن العوام، بينما سار بقية المجاهدين مشاة او على الابل، وروى عبد الله بن مسعود لاحقا انه شهد من المقداد موقفا يتمنى لو كان له دون كل ما في الارض، في اشارة إلى عظمة تلك اللحظة.
لم تقتصر قوة المقداد على سيفه، بل حمل قلبا واعيا يخاف من الفتنة، فعندما كلفه النبي بمهمة وعاد منها سأله عن حاله مع الامارة، فأجاب بصدق انه شعر وكأن الناس اصبحوا تحت يده، فخشي على نفسه من الزهو، واقسم الا يتولى عملا بعد ذلك، وظل متمسكا بعهده حتى نهاية حياته، وكان يردد ان السعيد من ابتعد عن الفتن.
جلس الناس يوما حوله فجاء رجل يتمنى لو عاش زمن النبي ليرى ما رآه الصحابة، فنظر إليه المقداد وقال له ان الله غيب عنك ذلك لحكمة، فقد عاش مع النبي اقوام لم يؤمنوا به فاستحقوا العذاب، ثم وجهه إلى شكر الله على نعمة الايمان دون اختبار قاس، مؤكدا ان السلامة في الثبات لا في التمني.
خرج المقداد في سرية ذات مرة، فأمر القائد الجنود بعدم رعي دوابهم حتى لا ينكشف موقعهم، لكن احدهم خالف الامر دون علم، فعاقبه القائد بشدة، فذهب المقداد إلى الجندي وبحث في امره، ثم ناقش القائد حتى اقنعه بخطئه، وطلب منه ان يمكن الجندي من القصاص، فقبل القائد، لكن الجندي عفا، ففرح المقداد وقال كلمات خرجت من قلبه لأموتن والاسلام عزيز.
عاش المقداد نحو سبعين عاما مليئة بالجهاد والمواقف النبيلة، وتوفي سنة ثلاث وثلاثين للهجرة في عهد عثمان بن عفان، وصلى عليه الخليفة ودفن في البقيع، وكان رجلا مهيبا قوي البنية واضح الملامح، احبه النبي حبا خاصا وذكره مع نخبة من الصحابة الذين اوصى بحبهم.
بقي اسم المقداد بن عمرو حاضرا في ذاكرة التاريخ، فارسا سبق الجميع بثباته ويقينه، وترك وراءه سيرة تؤكد ان الايمان الصادق يصنع رجالا لا تهزهم المحن، وقد عاش حياته وهو يردد امنيته لأموتن والاسلام عزيز، حتى تحققت كما اراد.



