تاريخ ومزارات

الحي اللاتيني قلب باريس الذي صنع التاريخ والعقل

يعد الحي اللاتيني واحدا من أعرق أحياء العاصمة الفرنسية باريس وأكثرها شهرة، إذ يجسد طبقات متراكمة من التاريخ الإنساني والفكري، ويعكس رحلة المدينة منذ نشأتها الأولى وحتى تحولها إلى مركز عالمي للثقافة والمعرفة، تعود بدايات هذا الحي إلى القرن الاول الميلادي، حين استقرت قبائل الغال في جزيرة تقع وسط نهر سيكوانا، وهو الاسم القديم لنهر السين، لتضع الأساس الاول لمدينة ستصبح لاحقا واحدة من اعظم مدن العالم.

قصص الحي اللاتيني

شهد الحي اللاتيني تحولا عمرانيا واسعا مع توسع النفوذ الروماني في بلاد الغال، بعدما قاد يوليوس قيصر حملته العسكرية عام 52 قبل الميلاد، وأخضع المنطقة للامبراطورية الرومانية، ومنذ تلك اللحظة بدأ المكان يخرج من طابعه القبلي البسيط إلى فضاء حضري منظم، يعتمد التخطيط الروماني ويعكس فلسفة الحكم والبناء في تلك المرحلة.

وفي القرن الثاني عشر الميلادي دخل الحي اللاتيني مرحلة جديدة صنعت شهرته الحقيقية، حين تحول إلى مركز فكري وتعليمي بارز، واجتمع فيه المعلمون والطلاب من مختلف انحاء اوروبا، وبرز كمنصة لتدريس الفلسفة واللاهوت والعلوم، وشكل النواة الاولى لجامعة باريس وجامعة السوربون، وحمل الحي اسمه الحالي نسبة إلى اللغة اللاتينية التي استخدمت في التدريس، وكانت لغة العلم والمعرفة في ذلك العصر.

الموقع الجغرافي للحي اللاتيني 

يقع الحي اللاتيني على الضفة اليسرى لنهر السين، ويمتد داخل الدائرتين الخامسة والسادسة من باريس، وهي منطقة ما زالت حتى اليوم تحتفظ بطابعها الثقافي، وتضم جامعات ومكتبات ومقاهي تاريخية تشهد على قرون من النشاط الفكري.

الجذور التاريخية الاولى

في القرن الاول قبل الميلاد سكنت شعوب الغال منطقة ايل دو فرانس، وهم مجموعة من القبائل السلتية التي عرف افرادها باسم الباريسيين، وأطلقوا على مدينتهم اسم لوكوتيسيا او لوتيس غولواز، اختاروا جزيرة في قلب نهر سيكوانا مقرا لهم، لما توفره من حماية طبيعية، وبدأوا بتأسيس مدينة محاطة بالمياه.

وبسبب هذا الموقع بنوا جسورا خشبية لربط الجزيرة بالضفتين، ما سمح بالتواصل مع المناطق المجاورة، واتخذت المدينة شكل سفينة عائمة، وحملت اسما رمزيا يعني المدينة التي لا تغرق، في اشارة إلى قدرتها على الصمود وسط المياه والتحولات.

لوتيس الغالو الرومانية

مع غزو الرومان لبلاد الغال عام 52 قبل الميلاد، وصل يوليوس قيصر إلى مدينة لوتيس، وكانت معركة اليزيا من اهم محطات هذا التوسع، وانتهت بهزيمة قبائل الغال بقيادة فيرسينجينيتوريكس، وبعد الهزيمة اضرم السكان النار في مدينتهم وهدموا الجسور قبل انسحابهم.

اعاد الرومان بناء المدينة على الضفة اليسرى لنهر السين، فوق تل لوكوتيتيوس، لضمان حمايتها من الفيضانات، واعتمدوا التخطيط الروماني الكلاسيكي، فشقوا شارعين رئيسيين متعامدين، كاردو ماكسيموس من الشمال إلى الجنوب والذي تحول لاحقا إلى شارع سان جاك، وفيا إنفاريور من الشرق إلى الغرب والذي اصبح شارع لاهارب.

شيد الرومان الحمامات والمسارح والمعابد، ومنحوا المدينة طابعا عمرانيا متقدما، ويذكر ان اسمها تحول إلى لوتيتسيا في تلك المرحلة، عاشت المدينة فترة استقرار دامت ثلاثة قرون، قبل ان تتعرض لهجمات القبائل الجرمانية التي دمرت اجزاء واسعة منها.

امام هذا الخطر انسحب السكان مجددا إلى جزيرة ايل دو لا سيتي، وبنوا حولها اسوارا دفاعية، ومع حلول عام 334 ميلادية حملت المدينة اسم باريس نسبة إلى قبيلة الباريسيين، وتحول اسم نهر سيكوانا إلى نهر السين.

مرحلة الحملات والهوية المسيحية

في عام 451 قاد اتيلا ملك قبائل الهون حملات توسعية باتجاه الغرب، واقترب من باريس، فدب الخوف في نفوس السكان. في تلك اللحظة برزت القديسة جونيفييف، التي تمتعت بنفوذ روحي واجتماعي، ودعت السكان إلى التماسك والصمود، وشجعتهم على المقاومة والصلاة.

نجحت مساعيها، ولم يدخل اتيلا باريس، واتجه نحو مدينة اورليان، ومنذ ذلك الحين اعتبرها الباريسيون حامية مدينتهم، توفيت القديسة جونيفييف عام 502 ميلادية ودفنت على تل لوكوتيتيوس، الذي سيحمل لاحقا اهم الرموز الدينية في المدينة.

الحي اللاتيني .. توحيد الاراضي الفرنجية

في عام 496 ميلادية خاض الملك كلوفيس الاول معركة تولبياك ضد الجرمانيين، وسعى لتوحيد الاراضي الفرنجية تحت حكمه،  قبل المعركة نذر اعتناق المسيحية في حال النصر، وبعد نجاحه اوفى بنذره، وبدأ مرحلة جديدة في تاريخ فرنسا الديني والسياسي.

قاد كلوفيس حملات عسكرية ضد القوط الغربيين، وواجه تحالفات معقدة، قبل ان يحقق انتصاره الحاسم عام 507 ميلادية في معركة فوييه، ما دفع القوط إلى الانسحاب نحو اسبانيا، وبعد ذلك استولى على مدن كبرى مثل تولوز وبوردو، واحتفل بنصره في مدينة تور.

وفي عام 510 ميلادية بنى الكنيسة التي وعد بها فوق ضريح القديسة جونيفييف، لتصبح من اهم المعالم الدينية والسياسية في باريس، وتحول اسمها لاحقا إلى كنيسة سانت جونيفييف، ثم البانثيون، ودفن كلوفيس فيها بعد وفاته عام 511 ميلادية، ومعه زوجته كلوتيد، لتبدأ ملامح الهوية المسيحية لباريس وفرنسا في التشكل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى