مرأه بدوية

لالة فاطمة نسومر.. المرأة التي قادت الجبال ووحدت القبائل لمقاومة الاحتلال

أسماء صبحي– في قلب جبال جرجرة بالجزائر، وفي زمن كانت المرأة فيه محصورة داخل أدوار اجتماعية تقليدية. ولدت شخصية نسائية صنعت لنفسها مكانًا في سجل المقاومة المغاربية. إنها لالة فاطمة نسومر المرأة التي قادت الرجال وصمدت في وجه جيش استعماري مسلح. وأصبحت أيقونة في تاريخ الجزائر والعالم العربي.

بداية لالة فاطمة نسومر

ولدت فاطمة في بدايات القرن التاسع عشر في منطقة القبائل، ونشأت في بيئة دينية تقليدية. حيث تلقت تعليمًا روحانيًا داخل الزوايا لكنها كانت تختلف عن فتيات جيلها. كانت تجلس إلى مجالس الرجال، وتطرح الأسئلة، وتنخرط في النقاشات الفكرية والدينية.

مع مرور الوقت، بدأت تظهر ملامح شخصية قوية، ذات كاريزما لا تخطئها العين وقلب لا يعرف الخوف. وفي سن مبكرة، أصبحت فاطمة رمزًا في مجتمعها. ليس فقط لعلمها الديني بل لقدرتها على تجميع الناس حولها وتأثيرها في نفوس القبائل المجاورة.

شرارة المواجهة مع الاحتلال

مع توسع الاحتلال الفرنسي في الجزائر، بدأت القبائل تنزح نحو الجبال وتستعد للمواجهة. لم تقف فاطمة نسومر مكتوفة اليدين بل تحولت إلى صوت يحشد القبائل ويزيد من صمودها. وكانت أول امرأة في تاريخ الجزائر الحديث تقود مجلسًا قبائليًا يناقش خطط المقاومة وتشارك في اتخاذ القرارات العسكرية. فكانت كلماتها تشعل الحماس في القلوب، حتى أن الكثيرين سمّوها “خليفة الشيخ” أو “قائدة الجبل”.

معركة تيزي بوزقن

في واحدة من أهم المعارك التي شهدتها منطقة القبائل، لعبت لالة فاطمة دورًا محوريًا. فقادت المقاتلين في مواجهة قوات فرنسية مدججة بالسلاح واستطاعت مع رجال القبائل صدّ الهجوم وإلحاق خسائر فادحة بالجيش الفرنسي.

المثير في تلك المعركة أنها لم تكن مجرد مواجهة عسكرية، بل كانت رمزًا لكسر الصورة النمطية للمرأة العربية. إذ كانت فاطمة في الصف الأول، توجه المقاتلين، وتحمل السيف، وترفع المعنويات. وهذه المعركة جعلت اسمها يتردد في أنحاء الجزائر، وأصبحت “أسطورة نسومر” حديث القبائل.

أسلوب قيادتها

رغم الظروف القاسية وغياب الإمكانيات، كانت لالة فاطمة تعتمد على ثلاثة عناصر صنعت قوتها:

  • الإقناع قبل السلاح.
  • الروح المعنوية العالية.
  • توحيد القبائل التي كانت في كثير من الأحيان مختلفة فيما بينها.

وكانت تؤمن أن مقاومة المحتل تحتاج إلى صف واحد. وكانت تتنقل بين القرى لتقريب وجهات النظر وتقوية الجبهة الداخلية. وهو ما جعلها عنصرًا لا يمكن الاستغناء عنه في معارك المنطقة.

اللحظة الحاسمة

بعد سنوات من المقاومة، نجح الفرنسيون في محاصرتها بعد معركة شرسة أخرى. ورغم اعتقالها، بقيت شامخة، لم تطلب الرحمة، ولم تقدم تنازلات. وأمضت سنواتها الأخيرة في الإقامة الجبرية لكنها بقيت رمزًا للكرامة، إلى أن توفيت وهي في قمة احترام أبناء منطقتها.

ويقول المؤرخ الجزائري الدكتور عبدالقادر مقري، أن لالة فاطمة نسومر لم تكن مجرد امرأة قاومت الاحتلال. بل كانت مؤسسة لنمط جديد من القيادة النسائية في العالم العربي. وتاريخها يثبت أن المرأة، إذا مُنحت الثقة، قادرة على تغيير معادلة القوة، وصناعة مسار جديد للأمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى