مرأه بدوية

الجيش قاتل والنساء صمدن.. بطلات الظل في ملحمة انتصار أكتوبر

أسماء صبحي – في الذكرى الخالدة ليوم انتصار أكتوبر، تتجدد ذكرى البطولة والعزة التي صنعها الجيش المصري بإرادة صلبة وإيمان لا يتزعزع. غير أن خلف مشاهد العبور التاريخي وملحمة القتال كانت هناك جبهة أخرى لا تقل شرفًا أو بطولة. وهي جبهة المرأة المصرية التي ظلت شامخة في مواقعها تسند الوطن في صمت وتضحي من أجل النصر بكل ما تملك من قوة وإخلاص.

فالمرأة المصرية لم تكن يومًا مجرد شاهدة على مجريات الأحداث بل كانت جزءًا لا يتجزأ من صناعة النصر. من بيتها البسيط إلى المصنع والمستشفى، ومن الميكروفون الإذاعي إلى ساحات الإعلام والفن، كانت تسطر أدوارًا بطولية تفيض وطنية ووفاءً. لقد كانت حارسة الجبهة الداخلية وركيزة الصبر التي حفظت للجنود عزيمتهم وطمأنينتهم.

المرأة في ميادين القتال والعمل

في قلب المؤسسات العسكرية، التحقت نساء مصريات بالخدمة في سلاح الإشارة. حيث تحملن مسؤولية دقيقة في نقل المعلومات وتأمين الاتصالات بين الوحدات العسكرية في وقت كانت فيه كل إشارة أو رسالة قد تغير مجرى المعركة. وفي المصانع الحربية، عملت آلاف العاملات جنبًا إلى جنب مع المهندسين والفنيين لتصنيع الذخائر والمعدات العسكرية التي احتاجتها الجبهة على وجه السرعة وسط ظروف عمل صعبة وضغوط متواصلة لكن الحماس الوطني جعل من التعب شرفًا ومن العرق وسامًا.

أما في المشافي القريبة من خطوط القتال، فقد واجهت الطبيبات والممرضات القصف والخطر بشجاعة نادرة، وكن يهرعن لاستقبال المصابين من أبطال العبور يقدمن لهم العلاج والرعاية والدعم النفسي في لحظات فارقة بين الحياة والموت. لم يكن عملهن مجرد واجب مهني بل رسالة إنسانية ووطنية تجسد أعظم معاني التضحية والإخلاص.

بطولات الصبر في انتصار أكتوبر

وفي البيوت المصرية، كتبت النساء فصولًا أخرى من البطولة الصامتة. فبينما كان الأزواج والأبناء على الجبهة، كانت الأمهات والزوجات يحملن مسؤولية الأسرة كاملة. يتحملن الغياب الطويل وضيق العيش وقسوة الأيام ليصنعن من الصبر جدارًا يحمي الوطن من الداخل. كانت المرأة هي السند المعنوي للجندي، تمنحه الأمان من بعيد، وتغرس في أبنائها معاني الصمود والانتماء.

لم تكتفي المصريات بالصبر والدعاء، بل قدمن ما هو أغلى. تبرعن بمصوغاتهن الذهبية وأموالهن دعماً للمجهود الحربي. وشاركن في حملات التبرع بالدم التي فاقت التوقعات حتى امتلأت بها بنوك الدم والمستشفيات. فصدر قرار من وزارة الصحة حينها بوقف استقبال المتبرعين مؤقتًا بعد بلوغ الكميات الحد الأقصى. وكانت المرأة ترى في العطاء واجبًا لا فضلًا، وفي التضحية فخرًا لا ألمًا.

مساندة القوة الناعمة

وفي جبهة الإعلام والفن، لعبت المرأة المصرية دورًا عظيمًا في دعم الروح المعنوية للشعب والجنود على السواء. فقدمت الإذاعيات والممثلات والمطربات أعمالًا وطنية خالدة لا تزال كلماتها وألحانها تعبر عن روح أكتوبر حتى اليوم. كانت أغاني مثل “سير بإيمان” لأم كلثوم و”أنا أم البطل” لشريفة فاضل تجسد مشاعر الفخر والفداء وتغرس في قلوب المصريين الأمل بالنصر. ولم يقتصر دعمهن على الأداء الفني، بل تبرعن بعائد حفلاتهن كاملة لصالح المجهود الحربي إيمانًا بأن الفن الحقيقي لا يزدهر إلا في حضن الوطن.

وهكذا، كانت المرأة المصرية في البيت والمصنع والمستشفى والمنبر ضلعًا أساسيًا في معادلة النصر. وكتبت بطولات الجيش بمداد من دماء الرجال لكن خلف كل نصر جندي كانت امرأة تحمل الوطن في قلبها وتزرع في الأجيال معنى العزة والكرامة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى