النائب أحمد رسلان يكتب: الصوم… حين تقود الروح الجسد وتولد الإرادة من جديد

يُعد الصوم رحلة كيانية تتجاوز حدود الامتناع عن الطعام، ليكون منهجاً متكاملاً لتنقية النفس وإعادة ترتيب أولويات الإنسان في عالم يغرق في الاستهلاك والسرعة. هو دعوة صريحة للعقل ليتدبر، وللقلب ليصفو، وللروح لتتحرر من قيود المادة،
حيث نثبت لأنفسنا أن الروح هي التي تقود الجسد لا العكس. الصوم الحقيقي ليس حرماناً تعسفياً، بل هو استعادة للسيادة على الذات، وتقوية للإرادة، وتعميق للحس الإنساني بمشاركة الجائعين آلامهم.
يتجلى عمق الصوم حين يمتد ليشمل الحواس والفكر، فيصوم اللسان عن الكلمة الجارحة، وتصوم العين عن نظرة الحسد، ويتطهر العقل من ضجيج المؤامرات، مما يخلق مساحة شاسعة للحضور الإلهي والصفاء الذهني.
إن الصوم الذي ترافقه الصلاة وأعمال الرحمة والقراءة الواعية يتحول من مجرد “حمية جسدية” إلى طاقة تغيير مذهلة؛ فيمنح الجسد راحة وتجدداً، ويهب النفس سلاماً داخلياً يكسر حدة التوتر والقلق.
في أعماق الإنسان، يغير الصوم “المركز” من الأنا المتضخمة إلى التواضع الواعي، فتزداد الشفافية الروحية ويصبح الضمير أكثر يقظة. إنه يعيد تشكيل نظرتنا للحياة، فندرك أن السعادة ليست في كثرة المقتنيات بل في تقدير قيمة الأشياء البسيطة.
هكذا يصبح الصوم أداة للتدبير الحكيم، تمنح الإنسان بصيرة نافذة وقدرة على قيادة حياته بوعي واتزان، وتغرس في روحه سكينة لا تزعزعها صراعات العالم.



