قبائل و عائلات

الهوسا في السودان حكاية شعب عبر القارات وكتب حضوره في الأرض والتاريخ

يعد الموطن الاصلي لقبيلة الهوسا في نيجيريا بغرب افريقيا، ومنها تفرعت سلالتها وانتشرت في عدد كبير من الدول، ويبرز السودان كواحد من اكثر البلدان التي شهدت حضورا لافتا لهذه القبيلة، حيث استقرت في مختلف الاقاليم، خاصة المناطق الزراعية التي وجدت فيها بيئة ملائمة لطبيعة حياتها العملية.

قصة قبيلة الهوسا

وتشير كتب التاريخ الى وجود سبعة بطون اصلية لقبيلة الهوسا، وسبعة بطون فرعية، غير ان الخلاف يظهر بوضوح عند البحث في اصل القبيلة، فالكاتب مهدي ادمو يذكر في مؤلفه عن القبائل الافريقية ان الهوسا انحدروا من ارضهم في نيجيريا غرب افريقيا، ولم يهاجروا من اي جهة اخرى، مؤكدا انهم شعب اصيل في مناطقه ولا يرتبطون باي قبائل اخرى، بينما تذهب رواية مختلفة الى ان اسم الهوسا ارتبط بارض الحبشة شرق افريقيا، وهو ما يفتح بابا واسعا للنقاش التاريخي حول جذورهم الاولى.

ويصعب على المؤرخين تحديد تاريخ دقيق لبداية استقرار شعب الهوسا في السودان، الا ان معظم الدراسات تؤكد ان طريق الحج عبر السودان كان نشطا منذ بدايات القرن الثامن عشر، وهو الطريق الذي عبرته هجرات الهوسا من غرب السودان حتى شرقه وصولا الى بورتسودان، في حين دخلت مجموعات اخرى عن طريق النيل الازرق قادمة من الحبشة، ثم انتشرت لاحقا في مصوع واليمن عبر باب المندب.

ويرجح عدد من الباحثين ان قبيلة الهوسا استقرت في مملكة مروي الاثرية شمال السودان، ويستند هذا الترجيح الى حقيقة فريدة مفادها ان صهر الحديد في القارة الافريقية اقتصر تاريخيا على منطقتين فقط، هما مملكة مروي ومملكة الهوسا في نيجيريا، وهو ما يعزز فرضية ان الهوساوي الذي عاش في مروي هو نفسه المنحدر من غرب افريقيا.

ولا يمكن اعتبار وجود الهوسا في السودان حديثا، فالمصادر التاريخية تشير الى ان وجودهم في السلطنة الزرقاء، مملكة سنار التي مثلت نواة الدولة الاسلامية الاولى في السودان، يعود الى ما يقارب خمسمئة عام، اي منذ عام الف وخمسمئة وخمسة ميلادية تقريبا، وقد ارتبطت علاقتهم بهذه السلطنة بتوجهها الاسلامي واهتمامها بالدعوة.

وبرز دور الهوسا الديني بوضوح من خلال تأسيسهم الخلاوي، وهي المدارس القرانية التي عنيت بتحفيظ القران الكريم ونشر العلوم الدينية، وهو ما رسخ مكانتهم الاجتماعية والروحية في المجتمع السوداني، كما عرف شعب الهوسا بتدينه العميق وميله الواضح للتصوف، لا سيما اتباع الطريقة التيجانية التي انتشرت في غرب افريقيا ثم امتدت الى السودان.

وشهدت فترات مختلفة هجرات للهوسا من سواحل البحر المتوسط نحو مصر، حيث تشير الروايات الى استقرارهم في منطقة بولا تكرور، التي تحولت لاحقا الى بولاق الدكرور في محافظة الجيزة، كما استقرت مجموعات اخرى في المغرب والجزائر، ووصل بعضها حتى جنوب السودان.

وكان لهم دور بارز في الثورة المهدية منذ عام الف وثمانمئة وثمانين وما بعدها، حيث قدموا من غرب السودان واستقروا في اقاليمه الوسطى خاصة كردفان، وشارك كثير منهم في القتال الى جانب المهدي ضد القوات البريطانية، وساهموا في تحقيق الانتصار في معركة شيكان عام الف وثمانمئة وثلاثة وثمانين.

وبرز من بين قادتهم في تلك الفترة القائد مندي ابو دقن الهوساوي الذي لعب دورا مهما في مواجهة الانجليز، وكذلك القائد ابو التيمان الذي قاد حلف المسراب في مدينة العباسية تقلي عاصمة مملكة تقلي الاسلامية في جبال النوبة، وهو الحلف الذي شكل رافدا قويا لانتصارات المهديين.

ويذكر المؤرخون ان احد مستشاري الخليفة عبد الله التعايشي كان من هذه القبيلة وقد اشار عليه بصناعة الجبخانة اي الذخيرة، اعتمادا على خبرته التي اكتسبها في بلاد الهوسا، لتصنع الذخيرة محليا في السودان لاول مرة في ذلك العهد.

وتتوزع قبائل الهوسا اليوم في مختلف انحاء السودان، حيث شكلت الزراعة والصيد حجر الاساس في حياتهم، فكانوا العمود الفقري للمشروعات الزراعية الكبرى في ولاية الجزيرة وسط البلاد، كما عمل الاف منهم في مشاريع الزراعة بولاية القضارف شرقي السودان، حيث تزرع الذرة والسمسم بكثافة، وينتشر وجودهم كذلك في كسلا ودارفور والنيل الازرق ومشروع الزيداب بولاية نهر النيل.

ولا تتوفر احصاءات رسمية دقيقة لعدد الهوسا في السودان، فجميع الارقام المتداولة تقديرية، باستثناء تعداد عام الف وتسعمئة وستة وخمسين الذي قدر عددهم بنحو خمسمئة الف نسمة، فيما تشير تقديرات غير رسمية الى ان عددهم اليوم قد يتجاوز ثمانية ملايين نسمة، بل يذهب بعضهم الى انهم يشكلون نسبة كبيرة من سكان السودان، وهي تقديرات تبقى بحاجة الى احصاء علمي دقيق.

واندمج شعب الهوسا في المجتمع السوداني بشكل كامل، فشاركوا في السياسة والرياضة، وبرز بينهم اساتذة جامعات وباحثون، كما انخرط كثير منهم في القوات النظامية والجيش وبلغوا رتب قيادية، وساهموا بفاعلية في الحياة العامة.

وفي المجال الفني ترك الهوسا بصمة واضحة، وتعد الفنانة عائشة اول مغنية تظهر في الاذاعة السودانية عام الف وتسعمئة وسبعة واربعين من ابرز الاسماء المنحدرة من اصول هوساوية، الا ان الخلط الشائع بينها وبين قبائل غرب افريقيا الاخرى جعلها تعرف باسم عائشة الفلاتية، كما ينحدر من الهوسا الفنان عبد العزيز محمد داود، وملك الجاز السوداني شرحبيل احمد.

وتعرف قبائل الهوسا بسلميتها وحبها للعمل، حيث يشارك جميع افراد الاسرة في النشاط الاقتصادي، بما في ذلك الاطفال، كما تتمسك بتقاليدها الدينية والاجتماعية، وتستخدم لغة الهوسا التي تعد من اللغات السهلة، لكنها في السودان امتزجت بكثير من المفردات العربية فاكتسبت طابعا محليا مميزا.

وفي عادات الزواج يلتزم الهوسا بالتقاليد السودانية العامة، مع اختلاف يتمثل في تولي اسرة العروس تجهيز المنزل كاملا، وهو ما يميزهم عن كثير من القبائل السودانية الاخرى.

اما في المطبخ الشعبي، فقد قدم الهوسا للسودان وجبات اصبحت جزءا من الهوية الغذائية، وعلى راسها الاقاشي، وهي لحم مشوي بطريقة خاصة يعتمد على التجفيف والتتبيل ثم الشواء السريع، الى جانب وجبة القدو قدو التي تحظى بشعبية واسعة، لتصبح هذه الاطعمة شاهدا حيا على عمق اندماج الهوسا في المجتمع السوداني وامتداد اثرهم الثقافي عبر الاجيال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى