بيت الشعر في السعودية.. تطور يواكب الحداثة وحفاظ على الموروث

يعرف بيت الشعر أو خيمة الشعر في السعودية بكونه غرفة خارجية تضاف إلى فناء المنازل في مختلف مناطق المملكة، بعدما كان يقام في أطراف المدن، ثم شهد تطورًا جعله جزءًا من تكوين المنازل، وأصبح أكثر تطورًا في البيوت السعودية، حيث زود بأنظمة التكييف المركزي والبناء المسلح.
بيت الشعر في الثقافة السعودية
تعتبر المناطق ذات الأصول البدوية من أكثر المناطق احتضانًا للمخيمات البرية، ولا سيما خلال فصل الشتاء، حيث يمثل التخييم نمطًا اجتماعيًا شائعًا بين السعوديين في تلك المناطق، ويستمد من أسلوبهم المعيشي، إذ تضم منازلهم عادة مجلسًا خارجيًا على هيئة خيمة تعرف باسم “بيت الشعر”، ويشتمل المجلس على “المشب” أو الموقد، الذي يستخدم لإشعال النار بغرض التدفئة والتسلية وتحضير المشروبات الساخنة.
وتتميز المناطق الشمالية بإتقانها لحرفة حياكة نسيج بيت الشعر، وتتفاوت أسعار هذه البيوت بحسب نوعها وحجمها والخامات المستخدمة، وتتراوح بين 1000 و5000 ريال، مع زيادة الطلب عليها في فصلي الشتاء والربيع.
مميزات بيت الشعر
كما يمتاز بيت الشعر بالعديد من الخصائص، من أبرزها قدرته على مقاومة البرد، والمطر، والرياح، والعواصف الرملية، وحرارة الشمس في الصحراء.
وتشتهر خيوط الشعر بقدرتها على التمدد خلال موسم الأمطار، مما يضيق الفجوات بينها ويحول دون تسرب المياه إلى الداخل.
كما يحتفظ بحرارة النار المشتعلة داخله، لا سيما في الليالي الباردة، ومن مميزاته أيضًا سهولة حمله ونقله، بما يتلاءم مع حياة التنقل، إلى جانب سهولة صيانته واتساع مساحته مقارنة بالخيام الأخرى.
مسميات وأشكال بيت الشعر
تتعدد مسميات بيت الشعر تبعًا لحجمه وعدد الأعمدة التي ترفع سقفه، فالبيت ذو العمود الواحد يسمى “القطبة”، وإذا احتوى على عمودين يعرف بـ”المقورن”، ثم تأتي مسميات “المثولث”، و”المروبع”، و”المخومس”، و”المسودس”.
وتختلف أشكال بيت الشعر، فبعضها مغلق تمامًا، والبعض الآخر مفتوح من جانب أو أكثر، وقد يقام بشكل خيمة أو في هيئة مربعة، ويرفع سقفه بخشب الأثل أو الغضا، ويثبت بالأرض بواسطة أوتاد من الحديد أو الخشب، ويقسم بيت الشعر من الداخل إلى قسم مفتوح لاستقبال الرجال والضيوف، وآخر مغلق مخصص للنساء.
صناعة بيت الشعر
صنع بيت الشعر قديمًا من صوف الغنم، وشعر الماعز والضأن، ووبر الجمال، إضافة إلى القطن، مع استخدام الصوف الأبيض في عمليات الصباغة.
ويتكون البيت من جزء علوي وآخر يلفه من الخارج، إلى جانب “الرواق” الذي يعد قاطعًا داخليًا لتقسيمه إلى أماكن متعددة، ويتم تجهيزه بعدة أدوات مثل: الطرايق، والرولات، والعمد، والحلق، والأعمدة، والأطناب، والمسامير.
وتتراوح مدة نسج البيت بين ثلاثة أيام وأسبوع حسب حجمه ومهارة الصانعة، وغالبًا ما تكون النساء هن من يقمن بهذه الحرفة.
ومن الأدوات المستخدمة في الصناعة: “المطرق” وهي عصا تستعمل لتنظيف الشعر، و”المغزل” المستخدم في الغزل، و”المخيط” وهو إبرة كبيرة الحجم، و”الأطناب” التي تستخدم لشدّ البيت وتثبيته، إلى جانب الأوتار.
حياكة السدو وبيت الشعر
ارتكزت صناعة بيت الشعر قديمًا على حرفة “حياكة السدو”، التي برعت فيها النساء وتعد من الموروثات الثقافية المسجلة ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي لدى منظمة اليونسكو عام 1442هـ/2020م.
وجاء تصميم شعار معرض “إكسبو 2030” في الرياض مستوحى من فن السدو، وتبدأ مراحل الحياكة بجز شعر الماعز أو صوف الأغنام أو وبر الإبل، ثم تنظيفه يدويًا من الشوائب وغسله بالصابون أو الرماد، وتركه ليجف في الهواء.
بعد ذلك يتم غزل الصوف باستخدام أداة لتحويله إلى خيوط تلف على هيئة كرة تعرف بـ”الدجة”، وتصبغ بالألوان الطبيعية المستخلصة من النباتات وقشور الأشجار مثل الزعفران والحناء.
وتشمل الألوان المستخدمة الأسود، والأبيض، والأحمر، والبني، إضافة لألوان أخرى، وتزين القطع بالنقوش والزخارف ذات الأشكال الهندسية كالمستطيل، والدائرة، والمثلث، ثم توصل خيوط السدو مع بعضها وتحول إلى قطع قد يصل طولها إلى 8 أمتار، تجمع فيما بعد لتكوين بيت الشعر.
أما الأدوات المستخدمة في حياكة السدو، فهي: المغزل، والنول، والأدوات الخشبية مثل “المنفاش” الذي يستخدم لتفكيك الصوف بعد تجميعه وغسله وتجفيفه، ويليه الغزل وتحويل الصوف إلى خيوط مبرومة تستخدم في باقي مراحل الحياكة.
صناعة بيت الشعر حاليًّا
تبدأ صناعة بيت الشعر في الوقت الحاضر بتخصيص قطعة أرض بجانب المنزل أو الاستراحة، ثم تصب أرضيتها لتأسيس البيت، ويصمم هيكله باستخدام “التيوبات” والمواسير الحديد، التي تفصل وفقًا لمساحة الخيمة المطلوبة، بعد ذلك يركب القماش الداخلي والخارجي، وتضاف التجهيزات الأساسية مثل الإضاءة والديكور.
ويفضل البعض فرش البيت بجلسات أرضية، بينما يفضل آخرون استخدام جلسات مرتفعة مدعمة بالمساند والمزينة بنقوش متعددة الألوان.
كما يعد “المشب” أو “الوجار” من الملحقات الأساسية، وهو عبارة عن فتحة داخلية مجوفة توقد فيها النار لتقليل الدخان، ويصنع من الطين أو الطوب العازل أو الرخام، ويستخدم لتحضير القهوة العربية، وتضاف إليه رفوف لحفظ أدواتها.
ويتراوح ارتفاع بيت الشعر بين 245 و300 سم، وتبدأ مساحاته من 3 أمتار عرضًا وقد تصل إلى أكثر من 10 أمتار طولًا، ويفضل البعض استخدام الألوان الفاتحة لعكس حرارة الشمس، مع استخدام العوازل الحرارية والمائية والترابية، كما يدعم من الداخل بالأخشاب والإسفنج لتصميم البطانة والجوانب من خشب الرواق.
بيت الشعر في المهرجانات السعودية
يعرض بيت الشعر في المهرجانات والاحتفالات التراثية داخل المملكة بوصفه رمزًا حيًا من موروثها الثقافي. ففي مهرجان التمر والعسل بمحافظة دومة الجندل، استُخدم بيت الشعر في استقبال الزوار والضيوف وتقديم القهوة العربية مع تمر “حلوة الجوف” الشهير.
وشهد بيت الشعر المقام في قرية التأسيس بمدينة الباحة عام 1445هـ/2024م إقبالًا لافتًا، لارتباطه بالهوية السعودية.
كما تضمن مهرجان الملك عبد العزيز للإبل في نسخته التاسعة، والمقام في “الصياهد” عام 1446هـ/2024م، عرض 67 بيت شعر بمقاسات مختلفة، غطت مساحة تجاوزت 6 آلاف متر مربع، لإبراز التراث السعودي وتقديم تجربة فريدة للزوار تظهر أجواء الصحراء وتراثها العريق.



