عادات و تقاليد

أسرار المائدة عند المصريين القدماء .. طعام يتجاوز حدود الشبع

 

كتبت شيماء طه

إذا كانت المائدة في عصرنا الحديث مكانًا لتبادل الأحاديث واللقيمات، فإنها عند المصريين القدماء كانت أكبر من ذلك بكثير ، فقد اعتبرها الفراعنة جزءًا من هويتهم، ورسالة تعكس إيمانهم بالخلود، وعلامة على المكانة الاجتماعية ، من هنا لم يكن الطعام مجرد وسيلة للبقاء، بل طقسًا يجمع بين الحياة اليومية والدين والفن.

الخبز والبيرة عصب الحياة اليومية

القمح كان بمثابة العمود الفقري لمائدة المصري القديم ، فبفضله وُجدت أنواع متعددة من الخبز، بعضها بسيط وأخرى محشوة بالتمر أو العسل ، وقد عُثر في المقابر على أكثر من أربعين نوعًا مختلفًا، ما يؤكد أن الخبز كان حاضرًا في كل مناسبة، من الوجبات اليومية حتى القرابين المقدمة للآلهة.

أما المشروبات، فقد تميزت البيرة بمكانة خاصة، إذ كانت المشروب الشعبي المفضل، بينما احتل النبيذ مكانة أرفع في المناسبات الكبرى والاحتفالات الملكية.

لحوم للأغنياء وأسماك للفقراء

تنوع البروتين الحيواني على المائدة تبعًا للمكانة ، فالنبلاء والملوك تناولوا لحوم البقر والطيور والغزلان، بينما اعتمد عامة الشعب على أسماك النيل التي كانت متوفرة بكثرة ، المدهش أن المصريين عرفوا مبكرًا أساليب حفظ الأسماك عبر التمليح والتجفيف، لتبقى صالحة لفترات طويلة، وهو ما يعكس خبرة مبكرة في التخزين الغذائي.

الخضروات والفواكه سر الصحة والنكهة

لم تخلُ المائدة من البصل والثوم والخس والفجل، التي لم تكن مجرد خضروات، بل أدوية طبيعية تُستخدم في علاج الأمراض، أما الفواكه، فكانت علامة على الثراء والرفاهية، إذ انتشرت زراعة العنب والتين والرمان والبلح ، وقد عرفت مصر أيضًا استيراد أنواع نادرة من مناطق أخرى، ما يدل على ازدهار التجارة وتنوع الموارد.

العسل والحلوى لمسة من الفخامة

كان المصري القديم يقدر طعم الحلوى، فاستعان بالعسل ليصنع الكعك والمعجنات المحشوة بالتمر والمكسرات ، هذه الحلوى لم تكن للمتعة فقط، بل ارتبطت بالأعياد والطقوس الدينية، مثل عيد الوادي، حيث تُقدَّم الحلوى كجزء من القربان.

المائدة في عالم الموتى

من أبرز أسرار المائدة الفرعونية أنها لم تكن مخصصة للأحياء وحدهم. فالمصريون كانوا يؤمنون بأن الأرواح تحتاج إلى الطعام بعد الوفاة، لذلك امتلأت المقابر بالخبز واللحوم والفواكه والنبيذ. النقوش الجدارية توثق مشاهد مأدب يجلس فيها المتوفى أمام مائدة عامرة، تأكيدًا على أن الغذاء يمتد إلى العالم الآخر.

آداب وتقاليد على المائدة

الأكل لم يكن بلا نظام ، فقد اعتاد المصري القديم استخدام يديه لتناول الطعام، وغالبًا ما وُضع في أوانٍ فخارية أو حجرية ، أما ترتيب الجلوس، فكان يخضع لمكانة الشخص، حيث يتصدر رب الأسرة أو صاحب البيت المائدة، ويجلس من حوله بقية الأفراد حسب العمر والقدر.

من الماضي إلى الحاضر

اللافت أن كثيرًا من الأطعمة التي ملأت موائد المصريين القدماء لا تزال حاضرة حتى اليوم ، فالخبز والفول والبصل والتمر ما زالت مكونات أساسية في مطبخنا المصري، وكأننا نعيد يوميًا جزءًا من تاريخ طويل ترك بصمته في تفاصيل حياتنا.

هكذا كانت المائدة عند المصريين القدماء عالمًا متكاملًا، امتزج فيه الطعام بالعقيدة، والذوق بالهوية، لتصبح شاهدًا حيًا على حضارة لم تفقد بريقها رغم مرور آلاف السنين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى