رحلة التنقيب عن مدينة ماري: أسرار الحضارة وارتباطها بالقبائل البدوية
في عام 1933، انطلقت البعثة الأثرية الفرنسية بقيادة أندريه بارو في مغامرة تاريخية للكشف عن أسرار تل الحريري، الواقع على الضفة اليمنى لنهر الفرات قرب مدينة البوكمال. كما نجحت البعثة في اكتشاف مدينة ماري التي بلغت أوج قوتها وازدهارها في عهد آخر ملوكها زمريليم (1782-1759 ق.م). هذه المدينة لم تكن مجرد مركز سياسي واقتصادي بل كانت شاهداً حضارياً، بدليل أرشيفها الذي ضم أكثر من عشرين ألف رقيم مسماري كتبت أغلبها باللغة الأكادية. وعادت معظمها إلى النصف الأول من القرن الثامن عشر قبل الميلاد.
رحلة التنقيب عن مدينة ماري
تعد الدراسات التاريخية عن ماري ومحفوظاتها المسمارية غنية ومتنوعة، إذ تناولت بلغات متعددة مختلف جوانب حياتها. ومع ذلك. لا تزال هناك حاجة ملحة لترجمة هذه النصوص بالكامل للكشف عن تفاصيل دقيقة عن حضارة ماري، خاصة تلك المتعلقة بدورها مع القبائل البدوية وعلاقاتها بملوك المدينة.
كما توثق نصوص ماري وجود مجموعتين بدويتين رئيسيتين: قبائل بني شمأل وقبائل بني يمين. هذا التصنيف يعكس توزيعاً جغرافياً وليس عرقياً. حيث انتشرت هذه القبائل في ماري وضفاف الفرات وأعالي الجزيرة السورية. بعض القبائل استقرت في المدن والقرى، بينما احتفظت الأخرى بحياة التنقل والرعي. ومن اللافت أن الوثائق تشير إلى نسب ملوك السلالة الحاكمة في ماري إلى إحدى هاتين المجموعتين. ورغم أن السجلات الإدارية والمراسلات تعكس مجتمعاً مدنياً مستقراً. إلا أن الإشارات الواضحة للقبائل البدوية في تلك النصوص تكشف عن علاقات قوية مع هذه البنى الاجتماعية.
وفي هذا الصدد نوهت الدكتورة الدكتور رجاء عباس بجامعة دمشق، أن البحث في تاريخ ماري يركز على النتائج الحديثة حول القبائل البدوية، وتنظيمها، وانتشارها الجغرافي. ودورها في بناء السلالة الحاكمة مطلع الألف الثاني قبل الميلاد. هذه الدراسات تسلط الضوء على الترابط الفريد بين حضارة ماري وثقافة البدو. مما يجعلها شاهداً حياً على تنوع المجتمعات القديمة وتفاعلها.



