راوية عطية.. حكاية “المرأة الحديدية” التي دقت أبواب البرلمان لأول مرة

أميرة جادو
في صباح اليوم من عام 1957، لم تكن القاهرة على موعد مع انتخابات برلمانية عادية، بل شهدت لحظة فارقة كسرت واحدًا من أقدم الحواجز الاجتماعية، حين دخلت امرأة قاعة التشريع للمرة الأولى في تاريخ مصر.
راوية عطية لم تقف على هامش المشهد السياسي، بل انتقلت سريعًا إلى قلبه، بعد عام واحد فقط من إقرار الدستور المصري حق المرأة في الانتخاب والترشح، ولم يكن فوزها بمقعد البرلمان مجرد انتصار انتخابي، بل إعلانًا صريحًا بأن صوت المرأة أصبح شريكًا في صناعة القرار، وبداية صفحة جديدة تُكتب فيها السياسة بأيدي النساء جنبًا إلى جنب مع الرجال، كان مقعدها جسرًا عبرت منه النساء من التهميش إلى المشاركة الفاعلة في الحكم.
بنت الثورة
ومع بزوغ فجر الجمهورية المصرية، برزت راوية عطية في المشهد العام عام 1957، مرتدية الزي العسكري، امرأة جمعت بين العلم والجرأة، وكانت آنذاك ضابطًا في الجيش المصري، لتكسر الصورة النمطية لدور المرأة في المجتمع.
ولدت راوية شمس الدين عطية في 19 أبريل 1926 بمحافظة الجيزة، داخل بيتٍ مشبع بروح النضال، فوالدها عطية بك كان الأمين العام لحزب الوفد بالغربية، وغرس فيها حب الوطن مبكرًا، خاصة بعد دخوله السجن بسبب آرائه السياسية.
التحقت بمدرسة الأميرة فوزية، وشاركت في المظاهرات المناهضة للاحتلال الإنجليزي عام 1931، وواصلت مسيرتها التعليمية حتى حصلت على ليسانس كلية التربية من جامعة القاهرة عام 1947، ثم دبلوم التعليم والفلسفة عام 1949، وماجستير الصحافة عام 1951، إلى جانب دبلوم في الدراسات الإسلامية.
كما عملت في التدريس لمدة 15 عامًا، وخاضت تجربة قصيرة في الصحافة، وتلقت تدريبها على أيدي كبار الصحفيين مثل مصطفى وعلي أمين، ثم موسى صبري وحسن شاهين.
المرأة الحديدية
تلقت راوية تدريبًا على الإسعافات الأولية، وشاركت في المقاومة الشعبية خلال العدوان الثلاثي عام 1956، وبجانب عملها ضابطًا في الجيش، كانت كاتبة وصحفية، جعلت من قلمها أداة للدفاع عن حقوق المرأة والعمال.
مع صدور دستور 1956 الذي منح المرأة حق الانتخاب والترشح، سارعت راوية بخوض الانتخابات في العام التالي عن دائرة الدقي، واختارت رمز الهلال والثلاث نجوم، علم مصر آنذاك، لتربط بين قضية المرأة والنضال الوطني.
كما خاضت معركة انتخابية شرسة أمام ثمانية رجال، وحصدت 110 آلاف و807 أصوات، رقمًا لافتًا في ذلك الوقت، لتصبح أول امرأة مصرية وعربية تدخل البرلمان وتكسر احتكار “نادي الرجال”.
لم يكن وجود راوية عطية تحت قبة البرلمان حضورًا رمزيًا، بل كان فاعلًا ومؤثرًا، إذ دافعت بقوة عن حقوق المرأة في الدستور، وطالبت بتعديل قوانين الأحوال الشخصية، وكانت أول من نادى بمساواة الأجور بين الرجال والنساء.
وفي ملف التعليم، دعت إلى تطوير المناهج وربطها باحتياجات المجتمع.
صدام تحت القبة
كما رفعت راوية شعارًا واضحًا خلال مسيرتها البرلمانية بقولها: «لم أدخل البرلمان لأثبت أن المرأة مساوية للرجل، بل لأثبت أنها العمود الفقري لهذا الوطن».
ومن أبرز مواقفها، دفاعها الصريح عن المقاتلين القدامى، حيث انتقدت سياسات الحكومة تجاه أسر الشهداء والمصابين، وطالبت بحياة كريمة لهم بدل الاكتفاء بالمعاشات، كما تقدمت بمقترح قانون لتنظيم الأسرة، ودعت إلى إنشاء مكاتب للتوجيه الأسري والاستشارات الزوجية.
أول امرأة في الجيش
وفي عام 1956، حصلت راوية عطية على رتبة نقيب في وحدة كوماندوز نسائية، لتصبح أول امرأة تتقلد رتبة عسكرية في الجيش المصري، وخلال نكسة 1967، استقبلت الجرحى من الجنود والضباط وقدمت لهم الرعاية.
وقال الرئيس جمال عبد الناصر عنها أمام عدد من الإعلاميين: «لقد آمنت بكفاح المرأة المصرية من كفاح السيدة راوية عطية».
أم الشهداء المقاتلين
وخلال حرب أكتوبر 1973، ترأست جمعية أسر الشهداء والمحاربين، ومن هنا لقبت بـ«أم الشهداء المقاتلين». اعتادت زيارة الجنود يوميًا على الجبهة، وحصلت على نوط الجيش الثالث، ودرع القوات المسلحة، ودرع الجيش الثالث.
كما اختيرت أمًا مثالية عام 1967، ونالت نوط الواجب من الطبقة الأولى من الرئيس أنور السادات، وتولت رئاسة المجلس القومي للأسرة والسكان عام 1993.
كان نجاح راوية عطية البرلماني واجهة مشرفة لمصر في المحافل الدولية، حيث ترأست وفودًا رسمية في مؤتمرات عالمية، من بينها المؤتمر الدولي للمرأة في برلين، ودافعت خلاله عن حق مصر في تأميم قناة السويس.
والجدير بالذكر أن راوية عطية قد رحلت عن عالمنا في 9 مايو 1997، بعدما تركت إرثًا لا ينقطع، وفتحت الطريق أمام أجيال من النساء اللواتي اتخذنها قدوة، وقد أثبتت أن المرأة قادرة على خدمة وطنها بالقلم حينًا، وبقوة الإرادة حينًا آخر، سواء في ساحات النضال أو تحت قبة البرلمان.



