المزيد

د. حسن أحمد حسن يكتب: هناك وآنذاك

 

 

قصص وحكايات وجراحات وبقايا أمل لا ينفد قط…. جداول وزغاريد لا تخلو من غصات قد تتجدد دونما استئذان… ما بين الأمس واليوم أهازيج ومراجيح معلقة في شجرة التوت المعرشة فوق الأسطحة والرافضة أن تجتث جذورها لشق طريق تعبرها السيارات التي تسارعت نسب الرفاهية فيها من عام إلى عام… وهناك في غرفة المؤونة يتمدد عجوز حفر الزمن أخاديده على وجهه، وحفرت كفاه أخاديد وأخاديد في بطن الأرض لاستيلاد الخير بابتسامة وقطرات عرق بعيداً عن العمليات القيصرية التي أعقمت الأرحام، وبمنأى عن العصرنة المتوحشة التي جففت الأصلاب من الكثير من معاني الرجولة ونقاء الانتماء..

هناك حيث تعرّش الطيبة محمية بضفائر بنات الحي الممزوجة بخفر فطري يهندس حقيقة معاني الشرف والتربية الصالحة والأخلاق الكفيلة بتحصين المجتمع البشري برمته… هناك على بيادر الحصاد ومعاصر الزيتون تترجم حماسة اليافعين وهم عائدون إلى المنازل أو يعدون العدة للذهاب إلى النهر لتعليم الجيل الجديد السباحة والعوم، فكل جيل مسؤول عن الأخذ بيد الجيل الذي يعقبه بعيداً عن التنظير والاستعراضات والتباهي بماركات الساعات وربطات العنق والأحذية وأجهزة الهواتف الخلوية المستوردة من كبريات الشركات العالمية التي لا يسمع بها من عضهم الدهر بنابه المسموم…

هناك، وآنذاك كان المثقف يعيش لحيظات فخر ونشوة داخلية يخجل أن تظهر على محياه أمام احترام الآخرين وتقديرهم وإعجابهم بسعة ثقافته وشمولية معلوماته … يُسْأل فيجيب بتواضع ومحبة، وأكثر ما يحلم به أن يسمع تهامس الفتيات في الأعراس والأعياد: ها قد أتى فلان، فتوشوش الجارة جارتها: يا الله ما أروع حديثه! لترد عليها زميلتها: ادفع نص عمري لو أعرف من أين يأتي بكلامه… يتحدث بطلاقة وكأنه يقرأ في جريدة مطبوعة بأحرف نافرة… هناك كانت المجالس تغص بروادها الذين يجمعهم الحب والإلفة والعيش المشترك: فالقمر يطل على الجميع، والجميع يأنسون لإطلالته بدراً مكتملاً يظهر رويداً رويداً من خلف الأفق، ويا الله كم هي جميلة تلك الصورة التي ينتظر الأطفال انبعاث النور وتحول اللون من درجة قريبة من الحمراء إلى صفراء مشعشعة متوهجة، ومع مسيرته الليلية من الشرق إلى الغرب تنتعش ذكريات العشاق وتكتب أروع قصائد الغزل والحب والأحلام والأمنيات…

هناك وآنذاك يتقاسم الجيران ما لديهم فهذا يرسل لجاره كوباً من حليب طازج، وآخر يستقبل بضعة فواكه أو خضار باكورية لأن الله منَّ عليه بأرض خصبة بالقرب من نبعة ماء، وثالث يراقب بهدوء من الأكثر حاجة للمساعدة المادية التي تصل إلى أصحابها من دون أن يعلموا من أرسلها… هناك لم يكن الناس يشعرون بلذة الطعام ما لم يتبادلون صحون ما يطبخون مهما كان بسيطاً… هناك وآنذاك كانت تتجلى أسس التواصل الاجتماعي في أبهى صورها، فلا صوت يرتفع بحضور رب الأسرة، ولا تجاوز للتقيد بالقيم والأسس والمعايير حيث يحترم الصغيرُ الكبيرَ، ويجلُّ الطالبُ معلمَه، وتُقَدَّسُ قيمُ الأمومة، ويتشارك الناس الأفراح والأتراح… هناك وآنذاك… كثير وكثير غير ذلك…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى