كتابنا

مشروطيات النقد :بين الناقد والمبدع والمتلقي

نقاد الصالونات الأدبية ... نقاد التيك آوى " " حطموا جمود الشعر .. والنقد "

 

كتب / حاتم عبدالهادى السيد

النص حمَّال أوجه، ؛ والناقد الحقيق هو الذى يحكم بضمير محايد ، وما قلته هو أن يتجرد الناقد من كل تأثير وشللية ، ومن كل ما يمكنه التأثير على الحكم الجمالى أو الفنى، فالناقد يجب أن يكون أكثر حيادية، ولا يعنيه كون من يكتب عنه :ذكر أو أنثى ولا يميل كل الميل فيقعد ملوما محسوراً ، وتاريخنا الأسود – للأسف – لدى كثير من النقاد ملىء بالمجاملات ، خاصة إذا كان المكتوب عنها أنثى ،لكن هناك أذواق لتقبل العمل الأدبى، وهناك التأويل، وهناك بعض فاقدى الضمير من النقاد أيضاً – إذا جاز أن نطلق عليهم صفة نقاد ؛ فإذا أراد أحدهم أن يهدم شاعراً أو كاتباً تأول له خروجات وخروقات؛ أيا كان نوعها ؛ليحطم النص ذاته والكاتب، لا جمود الشعر فحسب، ومن هنا فالناقد لا بد أن يحكمه ضمير أدبى، ولكن لأن النقد معيارى فى الحكم؛ وليس قياسياً ، فهوليس كالرياضيات مشروطاً بمعادلات، ولكن مشروطياته هنا مرتبطة بسياقات، وحداثوية، واعادة بناء لمفهوميات أخرى جديدة، وغير ذلك ، كما أنه حرى بالناقد الإلتزام بالمعايير والإشتراطات الفنية والجمالية والموضوعية، ولا يتحيز لصحبة صديق، أو لتلميع مبدعة، ولا يسعى من خلال نقده إلى منفعة عامة أو خاصة ، ولابد أن يتجرد ، ويكون أكثر حيادية، لكننى قد أخالف رأى من يقولون “بمسألة ” الصرامة فى الحكم ” ؛ فالناقد وإن كان قاضياً ، يحكم بمعايير نمطية وأكاديمية – كما أسميها- من خلال النظريات والمذاهب التى يخضعها لضرورات الفن فى الحكم الجمالى ، إلا أنه يجب أن يكون ” القلب الكبير الرحيم ” ؛ فيغدو أكثر رحمة فى الحكم كذلك، وعليه أن يتعامل بروح القانون، لا بمشروطياته، وأطره المستبدة في كثير من الأحايين؛ إذ ليست المعايير فى النطق بالأحكام جاهزة، ومتسقة لدى النقاد بشكل عام، أى لم يتواضع النقاد على ” رياضية النقد كعلم، لإنه كالفلسفة قد يخضع لشروط الإستدلال أو التأويل، لكنه قد لا يخضع لأى قانون من مبدأ الحرية كذلك ، فليس للإبداع وطن، وكذلك ليست للناقد أيديولوجيات أو ” وصفات نقدية مٌعلبة ” يمكن تطبيقها في أى مكان وزمان، فالنقد علم معيارى على غير مقيس، او مقيسٍ كذلك ، والنص هو الذى يطرح مداخل تحليله، وتفكيك بناه ، للوصول إلى غائية وجوهر الشعرية، او الهدف من وراء خبيئاته المتعددة . أى ليست هناك أى شروط ولكن المسألة معيارية ، ، ولكن هناك الأصول الكلية المتفق عليها – ضمنياً – لا صراحة – فليست هناك قواعد ملزمة لدى الناقد – حتى النظريات – ليست ملزمة له، ولكن شروط القيمة، والمعيارية ، أو ما نطلق عليه ” ابداعية الفن ” أو ” أدبية الأدب ” أى انه عندما يقرأ الجميع قصيدة فإن الكل يجمعون على أنها كذلك، والناقد هنا عليه أن يشتغل على المٌتحقق فنياً ، واجرائياً ، أو جوهر الإبداع، عبر المواضعة على وسم العمل بالمتحقق، فغرض النقد تكميلى، وخلق ابداعٍ مواز، بل وأضيف : وخلق غير مقيس على مقيس عليه، بمعنى أن تكون للناقد منهاجية فى ” التلقى” ، وطريقة – حسب النص – ينفذ من خلالها، بتراكم خبراته، إلى جوهر النص، أو الفن المراد تأوله، أو دراسته، ولا يقول ناقد : نويت أنقد القصيدة على المذهب السوريالى، أو الرومانتيكى،، فهذا عبث، ولىّ لعنق النص، فالنص براح يطرح طرائق تلقيه، وعلى الناقد المجيد أن يلتقط خيط ” النقدية ” – إذا جاز لى هذا التعبير ” بمعنى أن يعرف كيف يدلف إلى النص ليمتطيه – بكل ما تحمله الكلمة من دلالات- لا أن يمتطيه النص فيخرج نقده تأثرى، أو مشوب ” بعماء ” ، أو مجاملة من قبله، وهناك معايير واشتراطات للحكم على العمل الفنى المراد تفكيك شيفراته، والولوج إلى بنياته، وجوهره، كما أن النقاد لم يحددوا طريقة خاصة ، أو أن هناك نمطية مخصوصة للنقد، ولا حصرناه فى إطار الأيديولوجيا، أو حكمنا عليه بما ليس فيه. ويقينى أن التأويل قد يفقد ضرورات الفن، ويخرج العمل الأدبى الجيد – أحياناً – عبر قانونية ناقد ألزم نفسه بتطبيق معايير أحادية، أو طريقة خاصة يراها هو الأجدر بالحكم على النص، بينما يراها آخرون أكثر تقييداً من القيود المفروضة ذاتها، ومن هنا فإن ” النقاد الأكاديميين ” انما أشبههم ” بالأصوليين ” أو المتشددين الذين يلون عنق الحقيقة بتطبيق معايير جامدة، ونظريات عفى عليها الزمان لكى يٌخضعوا الفن والإبداع لمشروطيات النظريات والمناهجية، وتلك لعمرى مأساة أخرى، فقد وٌضعت النظريات – كما أرى – كإشارات سيمولوجية، او دلالات استرشادية، أى كالنار التى يوقدها الناس في الليل من أجل ان يهتدى السائرون في الصحراء إلى مكان يلوذون به من صحراء التيه في عالم النقد الممتد ، ولنضمن عدم جنوح سفينة الشاعر بإبداعه أو فنه عن ” الكتابة عبر النوعية ” قد سدَّت تلك الفجوة، مسترشدة بنظرية ” تكامل الفنون وتقاطعاتها “،فدمجت الفنون بسيميائية غاية فى الإدهاش، عبر سحر اللغة وطاقاتها، وحمولاتها، ودلالاته الفنية والوظيفية، وتعالقاتها النصية، فظهرت القصيدة والنص، وظهرت الأشكال المتواشجة التى لا حصر لها ، ومن هنا – يتقدم الفن، وهذه اشتراطات الحضارة، التى تستتبع نمو الذائقة، عبر ثقافة المجتمع؛ ونزوعه إلى الحداثة وما بعدياتها، كى لا نقف كالمتفرجين على بوابات العالم الحداثى، وما بعد الحداثى، وغير ذلك …

وبالمعلومية ؛لابد ان تكون لدى النقد ثقافة هائلة؛ أى ثقافة أكثر موسوعية من ثقافة المبدع ، خاصة حين الحديث عن اعتبارية النقد كعلم، لا ابداع موازٍ فحسب، بل هو علم أيضاً ، ومن هنا يجب أن يكون الناقد فقيهاً ، ولغوياً، وبلاغيا،ً ومتذوقاً ، بل ويعرف كيف يصل إلى لحظة الكتابة التى أرَّقت القصيدة – حينذاك – مضجع الشاعر، أو الرسام، وكيف كانت صورة المبدع وهو يكتب نصه. بمعنى دراسة ذاتية الكاتب من خلال : ” النصيِّة وتعالقاتها التى تتفكك شيفراتها طوعاً لدى الناقد المُدرب، الخبير، العارف بأعماق الجرح فيعمل مبضع الرحمة فيه، لا مشرط النقد الحاد كذلك، فالناقد يجب ان يكون ” البنَّاء العظيم ” – السامق، والذى يبنى لا يهدم، والذى يقوم ويقيم العمل الأدبى بمبدأ الرقة، والحنو، لا بمبضع القسوة الصارمة، وإن كنت مع الذين ينادون بتوافقية عامة لمشروطيات الفن، مع ان الفن عبر ” نظرية الفن للفن” أو ” الفن للحياة ” لا يعتد بهذه المشروطيات ، والتى يراها – وأراها معه كناقد – مشروطات عقابية ، أو قيود على القيود ذاتها، وما النظريات والمذاهب والمناهج – أيها السادة النقاد – سوى ضوابط فنية عامة لعيار الحكم على العمل الفنى أو الأدبى، بل أراها حد أوَّلىّ – أدنى – أو استرشادى كى يتم الحكم النقدى، أى هى ضوابط اجرائية وفنية وجمالية وضعها النقاد – ضمنياً – كمشروطيات أسموها نظريات ومناهج، وهى ليست ملزمة – فى المطلق – فى الأخذ ، أو عدم الأخذ بها، وإلا فليقل لى أحد : كيف نعاير الجمال، أو التعبير الأدبى بعيار ملموس، أى كيف نحكم على غير المحسوس بأحكام قيمية، وهو احساس ومشاعر وضعها المبدع على الورق، أو الرسام على اللوحة، ؟ وتلك لعمرى قضية أخرى تثار، ولكننا نخرج من هذه الإشكالية ببساطة كذلك ، ونقول بمجرد طرح النص للنقد، فلابد أن يخضع لثقافة الناقد، ولإشتراطات الفن الإجرائية، وإلى ذوق الناقد وهنا يمكن الحكم من خلال الذوق غير الملموس على الفن المحسوس من خلال رؤيوية الناقد ، وهنا يتمايز النقاد : بين ناقد يحكم من خلال انطباعات، وناقد آخر يحكم من خلال نظريات، وثالث يحكم من منظور جمالى ، وآخر يحكم من منظور أسلوبى بلاغى، وآخر من خلال اللغة، وغيره يحكم من خلال ذوقه ” التلقى ” ، ويجىء الأخير ليتأول النص، ويٌحمَّلَهٌ بحمولاتٍ زائدة عليه قد تفسده، أو تنيره كذلك ، ومن هنا يحتاج من يخوض النقد إلى دٌربة، وصبر، وأن يكون فقيها فى اللغة، بل وعالماً بكل مجالات وفنيات النص والعلوم التى لابد له من معرفتها ، كى يحكم بحيادية على العمل الأدبى، لا ككثير من ” نقاد اليوم ” الذين تحولوا بقدرة قادر من كتاب فلشلين إلى نقاد مرموقين – إعلامياً فحسب – بين عشية وضحاها ، ففسدوا وأفسدوا، وظنوا انهم – عبر النشر الإرتجالى في الصحف والمجلات، والإعلام المسموم قد أصبحوا نقاداً ؛يحكمون على العمل الأدبى بهواهم، أو حسبما تتحق المصلحة المادية أو المعنوية، او حتى الجسدية، ومن هنا ظهر ” تجار النقد ” ، والأدعياء، وأصحاب المواخير النقدية، والحانات التى أسموها ” صالونات أدبية” – وأنا لا أهاجم الصالونات الجادة،- فلهؤلاء كل التقدير والإحترام – لكننى أشير إلى تلك ” المكلمات الكبرى ” والتى أصبحت – للأسف نوافذاً للشهرة – بفضل تعاقدهم مع الإعلام، وزواجهم الكاثوليكى به، فتصور كثيرون أنهم النقاد، وعاب النقد ، والناقد الحقيقى، أو غُيِّب – لأجل مقصديات ما ، أو أيديولوجيات تتعلق بسياسات ، أو من أجل ” السبوبة” أو: ” البيزنس النقدى” ، فغدا النقد للأسف – بين مقامر ؛ أو متاجر، أو عابث بالعلم، وتلك هى : ” الموضات النقدية ” الجديدة، او ما أطلق عليهم : ” نقاد التيك آوى ” أو نقاد الوصفات الجاهزة للأسف .

وللأسف فقد تم تشويه صورة النقد الحقيقة، لكن التاريخ لا يرحم، ويسجل كل شىء، لمن أفسدوا ، ويفسدوا، ومن جاهدوا لتصحيح المسار، كى لا تضيع هوية المجتمعات، وتتخلف حضاراتها – كما تخلفنا – بفعل هذه الشلليات، والمواخير التى أصبحت مكلمة لمن يدفع، وسهرة جميلة مع من أرادت؛ وتمنت أن تكون كتبها : ” الأكثر مبيعاً ” عبر اعلام شارك فى ” جريمة قتل النقد ” أو تحييد الجيد، من أجل أيديولوجيات، وهوى يريد طمس النور عن الشعوب، أو لتكميم الحقيقة، بينما يتم تعمية الواقع، ولنا فى كثير من الذين ادعوا أنهم يقومون يتنويرية للمجتمع أكبر مثل على فساد الذوق العام، وانحداره، ، فصرنا نسمع عن أغانٍ مٌسفة، وكلمات نابية، من أجل تعمية المجتمعات بفعل فاعل، أو بدون قصدية – أحياناً – أو بفعل تغليب ” ثقافة الهيمنة” و” المستعمرالثقافى العابر للقارات ” عبر صراع الحضارات، لا حوار الثقافات كذلك .

إن الحديث ممتد، شائك، وذا شجون، فكل الشكر للمبدع والشاعر / محمود حسن عبدالتواب ، الذى أثار شجوننا، عبر كتابه : ” حطموا جمود الشعر “ونحن نثمن ما كتبه، ولنقول معه مرددين : حطموا جمود الشعر بالتجديد، وحطموا سطوة نقاد الموضة، وأدعياء النقاد عبر “الصالونات الأدبية ” – أو المكلمات التى تنتهى بسهرة لطيفة ؛ ولا نقصد بالطبع الصالونات الجادة- وهى معروفة ولن ننادى بعودة ” الرقيب الأدبي كذلك “؛ فلا قيد على المبدع ، ولكن لابد من صحوة للضمير، ويقظة للوعى،؛ ولندع المصنوع ونعود للمطبوع ، كى لا نتمنى عودة الرقيب، بل نطلب عودة من الجميع بأن يجلسوا مع أنفسهم، وليراجعوا مواقفهم،، فالرقيب الذى أقصده ليس” الرقيب السياسى أو الأيديولوجى، الذى يصادر الفكر ويمنع النور؛ ولكن أقصد ” فجر الضمير”؛ ليستيقظ عند هؤلاء المدعين ولكن إنَّى وكيف لهم ذلك، والشاعر قد قال : :

لقد ناديت لو أسمعت حياً ولكن لا حياة لمن تنادى

إنها دعوة حق، في وقت ضاعت فيه الحقوق، وتبدلت الرؤى، ولكنها صرخة أخيرة قبل فوات الأوان، ودعوة إلى النقاد الحقيقيين للقيام بدور فاعل من خلال اقامة” رابطة للنقاد العرب ” تجمع المستنيرين منهم، وهم كثر، لإعادة بوصلة النقد الأدبى العربى إلى الحياة من جديد . . وأقول إلى كل النقاد الجادين : حطموا جمود النقد الأدبى، ؛ ليعود الدفء إلى أدبنا العربى من جديد .

 

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى