تاريخ ومزارات

تعرف على نشأة أبو القاسم المعتمد على الله وحياته

تعرف على نشأة أبو القاسم المعتمد على الله وحياته

أبو القاسم المعتمد على الله محمد بن عبَّاد (وكذلك لُقِّب بـالظافر والمؤيد) (431 هـ – 488 هـ / 1040 – 1095م) هو ثالث وآخر ملوك بني عبَّاد في الأندلس، وابن أبي عمرو المعتضد حاكم إشبيلية، كان ملكاً لإشبيلية وقرطبة في عصر ملوك الطوائف قبل أن يقضي على إمارته المرابطون. ولد في باجة (إقليم في البرتغال حالياً)، وخلف والده في حكم إشبيلية عندما كان في الثلاثين من عمره، ثم وسَّع ملكه فاستولى على بلنسية ومرسية وقرطبة، وأصبح من أقوى ملوك الطوائف فأخذ الأمراء الآخرون يجلبون إليه الهدايا ويدفعون له الضرائب. وقد زعم شاعره أبو بكر بن اللبانة أنه امتلك في الأندلس 200 مدينة وحصن، وأنه ولد له 173 ولداً.

اهتم المعتمد بن عباد كثيراً بالشعر، وكان يقضي الكثير من وقته بمجالسة الشعراء، فظهر في عهده شعراء معروفون مثل أبي بكر بن عمَّار وابن زيدون وابن اللبانة وغيرهم. وقد ازدهرت إشبيلية في عهده، فعُمِّرت وشيدت. وفي خلال فترة حكم المعتمد، حاول ألفونسو السادس ملك قشتالة مهاجمة مملكته، فاستعان بحاكم المرابطين يوسف بن تاشفين، وخاض معه معركة الزلاقة التي هزمت بها الجيوش القشتالية. لكن في عام 484 هـ (1091م)، شنَّ يوسف بن تاشفين حرباً على المعتمد، فحاصر إشبيلية، وتمكَّن من الاستيلاء عليها وأسر المعتمد، ونفاه إلى مدينة أغمات في المغرب حيث توفّي أسيراً بعد ذلك بأربع سنوات. رغم ذلك، فقد أثار إسقاط يوسف بن تاشفين لإمارة بني عباد الكثير من الجدل بين المؤرّخين قديماً وحديثاً، ووُجِّهت انتقادات كثيرة له لما فعله بالمعتمد.

أصله ونسبه
نسبه الكامل هو محمد بن عباد بن محمد بن إسماعيل بن قريش بن عباد بن عمر بن أسلم بن عمرو بن عطاف بن نعيم اللخمي أبو القاسم المُلقّب بالمعتمد على الله. ينتمي المعتمد بن عباد إلى أسرة بني عباد، وهم سلالة عربية تعود أصولها إلى مدينة العريش في شبه جزيرة سيناء بإقليم الشام، وهم يُنسبون إلى النعمان بن المنذر حاكم الحيرة قبل النبوة. قدم جد بني عباد إلى الأندلس مع طالعة بلج في بداية القرن الثاني الهجري. وفي مطلع القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي)، استقلَّ أبو القاسم محمد بن عباد اللخمي بإشبيلية، فبرع في الفقه والقضاء، وحكم إشبيلية لفترة، ثم خلفه فيها ابنه أبو عمرو المعتضد عباد، وأخيراً حفيده المعتمد.

نشأته وحياته قبل الحكم
ولد أبو القاسم محمَّد المعتمد على الله في عام 431 أو 432 هـ في مدينة باجة غرب الأندلس، والتي تقع حالياً بدولة البرتغال. أراد والده المعتضد أن يدرّبه على الحكم منذ سنٍّ مبكرة، فولاَّه منذ كان عمره 12 عاماً – على الأكثر – حاكماً لمدينة أونبة، ثم عيَّنه قائداً لجيشٍ أرسل لحصار مدينة شلب والاستيلاء عليها، وفي أثناء قيادة هذا الجيش تعرَّف المعتمد على الشاعر أبو بكر بن عمار، الذي أصبح منذ ذلك الحين من الرجال المقرّبين إليه، وكان له دورٌ كبيرٌ في إدارة دولته. توطَّدت العلاقة بسرعةٍ بين المعتمد وابن عمَّار، فما إن تولَّى حكم شلب بعد الاستيلاء عليها حتى عيَّن ابن عمَّار وزيراً له. وأخذت علاقة الصداقة بينهما تقوى بسرعةٍ كبيرة، خصوصاً لتشاركهما بحبّ الشعر وموهبته، حتى قال المراكشي عن المعتمد في ابن عمَّار: «يشاركه فيما لا يشارك به الرجل أخاه ولا أباه»، بل ويروي المراكشي أنه في إحدى الليالي خلال إقامتهما بشلب استدعى المعتمد ابن عمَّارٍ وأكرمه أكثر من المعتاد، فعندما حان وقت النوم قال له: «لتضعنَّ رأسك معي على وسادٍ واحد». ويروي ابن عمَّار أنه في تلك الليلة خطر له فجأة أن المعتمد سيقتله، فانتابه الفزع وأخذ منه مأخذاً كبيراً، ولفَّ نفسه بإحدى الحصر وفرَّ هارباً إلى دهاليز القصر، ونوى الهرب واجتياز البحر إلى المغرب باليوم التالي قاصداً «جبال البربر». لكن في الصباح افتقده المعتمد، فأخذ بالتفتيش عنه، وأمر جميع رجال القصر بالبحث عن ابن عمَّار، ثم وجده بنفسه وهو ملفوف بالحصير، فسأله مستغرباً: «يا أبا بكر، ما الذي حملك على هذا؟»، فحكى له قصَّته، فضحك المعتمد وقال: «يا أبا بكر، أضغاث أحلام، هذه آثار الخمار. وكيف أقتلك؟ أرأيت أحداً يقتل نفسه؟ وهل أنت عندي إلا كنفسي؟» فشكره ابن عمَّارٍ ودعى له. وقد كان ابن عمَّار منذ ذلك الحين يصحب المعتمد دائماً، فيأخذه معه في أسفاره ورحلاته إلى إشبيلية وباقي مدن الأندلس.

في يومٍ بينما كان المعتمد يتنزَّه مع ابن عمار في مرج الفضة – أحد متنزهات إشبيلية المطلة على نهر الوادي الكبير – قال له: «صنع الريح من الماءِ زَرَد» (يقصد أن يكمل رفيقه بيت الشعر)، إلا إنَّ بديهة ابن عمار كانت بطيئة، فسكت طويلاً ولم يكمله، وفي هذه الأثناء كانت بقربهما امرأة تغسل الملابس في النهر، فقالت: «أيُّ درعٍ لقتالٍ لَو جَمَد». وقد تعجَّب المعتمد من موهبتها بالشعر، وفتن بجمالها، فسأل عنها، فقيل له أنها جارية لرميك بن حجاج واسمها اعتماد، فذهب إلى صاحبها واشتراها منه وتزوجها، وعُرِفَت بعد ذلك بلقب اعتماد الرميكية، وكانت أقرب زوجات المعتمد إليه. وقد كان يغدق المعتمد الكثير من الأموال لإرضاء رغبات الرميكية، ومن أشهر قصص تبذيره لأجل إرضاءها يومٌ أرادت فيه أن تسير على الطين، فأمر المعتمد بأن يسحق لها الطيب وتغطى به كل ساحة القصر، ثم تصبّ الغرابيل، ويصبّ ماء الورد عليهما، وقد عُجِنَ ذلك حتى أصبح كالطين، فسارت عليه الرميكية مع جواريها. بل وقد كان لقب المعتمد بالأصل هو «المُؤَيَّد بالله»، لكن بعد زواجه من الرميكية غيَّر لقبه إلى المعتمد على الله تيمُّناً باسمها «اعتماد». وقد تسبَّبت الرميكية وابن عمَّار بانغماس المعتمد في حياة اللهو، وانتشر الكلام عن ذلك بين الناس، ممَّا أغضب والده المعتضد، فأمر بنفي ابن عمَّارٍ إلى أقصى شمال الأندلس، وبقي منفياً حتى وفاة المعتضد.

أرسل المعتضد في عام 458 هـ (1066م) ابنيه المعتمد وجابر على رأس جيشٍ لانتزاع مالقة من بني زيري، فحاصراها، إلا إنَّ المدينة قاومت مقاومة شديدة، وبحسب إحدى الروايات فقد سقطت في أيدي المعتمد وأخيه لفترةٍ قصيرة، لكن سرعان ما جاءها بعد ذلك باديس بن حبوس بقوَّة للنجدة وخاض مع بني عبَّاد معركة شديدة، فقتل وأسر الكثير منهم، وفرَّ المعتمد وجابر مع ما بقي من جيشهما إلى رندة. وقد غضب المعتضد كثيراً من ابنيه لهزيمتهما، فكتب إليه المعتمد من رندة أطول قصائده على الإطلاق ليستعطف والده، وفاتحتها

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى