قصبة الجزائر.. قلب التاريخ النابض في المغرب العربي
أسماء صبحي – في قلب العاصمة الجزائرية تقف القصبة شامخة كأنها حارس أمين على ذاكرة مدينة عريقة. وقصبة الجزائر ليست مجرد بيوت وأزقة ضيقة تتشابك كخيوط الماضي بل هي تاريخ مكتوب بالحجر والجص والخشب، يروي حكايات عن حضارات تعاقبت، وملوك تعاقبوا، وشعوب سكنت المكان منذ قرون طويلة. وفي كل زاوية من زواياها، وفي كل جدار قديم أو باب خشبي مزخرف، تختبئ أسرار الماضي المجيد وأحداث صنعت ملامح الحاضر.
جذور قصبة الجزائر
تعود أصول القصبة إلى العهد العثماني حين كانت الجزائر من أبرز مراكز المتوسط. وبنيت على أنقاض المدينة الرومانية القديمة “إيكوسيوم” لتكون قلعة عسكرية محصنة ومقراً للسلطة. ومع مرور الزمن، تحولت القصبة إلى مدينة متكاملة تضم قصوراً ومساجد وأسواقاً وبيوتاً تقليدية. حتى أصبحت القلب النابض للحياة الاجتماعية والسياسية في الجزائر.
وتعتبر القصبة اليوم مثالاً حياً على العمارة الإسلامية – الأندلسية، حيث تمتزج البساطة بجماليات الزخارف. وتطل النوافذ الخشبية على شوارع ضيقة تتنفس عبق التاريخ.
العمارة والمميزات
تتميز قصبة الجزائر بتصميمها الفريد، إذ بنيت على شكل متاهة من الأزقة المتعرجة التي لا تسمح بمرور العربات. بل تعتمد على المشاة والدواب قديماً. هذا التخطيط لم يكن عشوائياً بل كان وسيلة دفاعية تمكن أهل القصبة من صد أي اعتداء أو غزو.
البيوت متلاصقة، كأنها أسرة واحدة، وجدرانها العالية تحافظ على خصوصية ساكنيها. وتوجد داخل القصبة قصور فخمة مثل قصر الداي حسين الذي شهد أحداث تسليم الجزائر للفرنسيين عام 1830. إضافة إلى قصور عائلية تحولت لاحقاً إلى متاحف ومراكز ثقافية.
دورها في مقاومة الاستعمار
حين دخل الاستعمار الفرنسي الجزائر، كانت القصبة حصناً للمقاومة. ففي أزقتها الضيقة وبيوتها المخبأة خطط المقاومون للهجمات ونفذوا العمليات ضد القوات الفرنسية. واشتهرت القصبة ببطولات “جبهة التحرير الوطني” خاصة خلال معركة الجزائر (1957) التي وثّقتها الأفلام والكتب لتصبح رمزاً عالمياً للنضال.
الحياة الاجتماعية والثقافية
لم تكن القصبة مجرد حصن عسكري أو حي سكني، بل فضاءً اجتماعياً متكاملاً. وفي أسواقها كانت تباع التوابل والمنسوجات والمجوهرات وفي مقاهيها اجتمع الشعراء والفنانون. كما اشتهرت بموسيقى “المالوف” و”القصيد الأندلسي” حيث انطلقت منها أصوات خالدة زينت المشهد الثقافي الجزائري.
ورغم مرور الزمن وتغير أنماط الحياة، ما زالت القصبة تحافظ على طابعها الشعبي إذ يسكنها أهلها البسطاء، وتبقى شاهداً على تواصل الأجيال.
الاعتراف العالمي
في عام 1992، أدرجت قصبة الجزائر ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو تقديراً لقيمتها التاريخية والإنسانية. إلا أن إدراجها لم يكن نهاية الطريق بل بداية مسؤولية كبيرة تتعلق بالحفاظ عليها من التدهور العمراني والزحف الحديث.
ويقول الدكتور عبد القادر بوزيد، أستاذ التاريخ بجامعة الجزائر، إن قصبة الجزائر ليست مجرد معلم أثري، بل هي ذاكرة الأمة الجزائرية. فالحفاظ عليها مسؤولية جماعية لأنها تمثل شاهداً على مراحل مهمة من تاريخنا بدءاً من العهد العثماني وصولاً إلى الثورة التحريرية. أي مساس بهذا الموروث هو مساس بالهوية الوطنية ككل.



